إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني. ثم كلم البرنس رينالد - و قرعه بذنوبه، وعدد عليه عوراته، وقال له:
كنت نذرت أن أقتله إن ظفرت به مرتين: إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة والثانية لما أخذ القفل غدرة ..
وقام إليه بنفسه فضرب رقبته، وسحب وأخرج فلا قتله ارتعدت فرائص الملك جاي، وظن أنه سيحل دوره. فطمأنه صلاح الدين بقوله:
إن الملك لا يقتل ملكة غير أن ما ارتكبه ذلك الرجل من الغدر والخيانة قد تجاوز كل حد ..
ثم أصدر صلاح الدين الأوامر بأن لا يتعرض للأذى البارونات العلمانيون، بل ينبغي أن يلقوا في أسرهم الاحترام والمروءة. غير أنه لم يود الابقاء على حياة أحد من الفرسان الرهبان - باستثناء مقدم الداوية .. والمعروف أنه كان بجيش صلاح الدين
جماعة من الزهاد والمتصوفين، فعهد إليهم صلاح الدين بالا جهاز على الأسرى من الداوية والاسبتارية، فاغتبطوا للقيام بهذا العمل. فلا تم ذلك، تحرك صلاح الدين بجيشه من حطين، وما تناثر على ساحة القتال من جثث القتلى أصبح طعامة للضباع والصقور. وجرى حمل الأسرى إلى دمشق، حيث تهيأت للبارونات أسباب الراحة في معتقلهم. بينا تقرر بيع الأسرى الفقراء في سوق الرقيق. وبلغ من كثرة الأسرى بهذا السوق أن هبط سعر الأسير الواحد إلى ثلاثة دنانير. وأضحي بوسع الشخص أن يشتري أسرة سليمة بأكملها مؤلفة من رجل وزوجته وأبنائه الثلاثة وابنتين بثمانين دينارة. بل إن أحد المسلمين اعتبر ما أجراه من مبادلة نعليه بأسير صفقة غير رابحة.
هكذا غربت شمس يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (4 تموز - يوليو - 1187 م) وقد تم على أرض حطين تدمير أضخم جيش صليبي لم يحشد الفرنج مثله من قبل. وضاع منهم صليب الصلبرت، وارتقى صلاح الدين الأيوبي إلى مرتبة عظماء أمراء المسلمين وحكامهم.