وحلب. ولقي صلاح الدين التأييد من الخليفة العباسي ببغداد، وسعي سلطان السلاجقة بلاد الأناضول (آسيا الصغرى) إلى كسب صداقته، ولم يكن لامراء السلاجقة بالشرق من القوة ما يدفعهم إلى مقاومنه، ولم تعد الامبراطورية البيزنطية مصدر خطر له. ولم يتبق له سوى أن يقهر الدخلاء - الفرنج الصليبيين - الذين صاروا وصمة عار في جبين الإسلام، بتملكهم فلسطين وساحل بلاد الشام.
وقعت خلال هذه السنة معركتان كان فيها الظفر للمسلمين، فقد خرج اسطول المسلمين من مصر، وأوغل في البحر، فلقوا سفينة عليها ثلثمائة من الفرنج بالسلاح التام ومعهم الأموال والسلاح إلى فرنج الساحل، فقاتلوهم، وصبر الفريقان. وكان الظفر للمسلمين، وأخذوا الفرنج أسرى فقتلوا بعضهم، واحتفظوا ببعضهم أسرى وغنموا ما معهم، وعادوا إلى مصر سالمين. وحدث أيضا أن سارت مجموعة كبيرة من مقاتلي الفرنج من نواحي الداروم وهدفهم الوصول إلى مصر للإغارة والنهب، فعل بهم المسلمون، فخرجوا إليهم على طريق صدر وإيلة، فانتزع الفرنج من بين أيديهم، ونزلوا بماء يقال له - العسيلة - وسبقوا المسلمين إليه. فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على الهلاك، فرأوا الفرنج قد ملكوا الماء، فأنشأ الله سبحانه وتعالى بلطفه سحابة عظيمة، فمطروا منها حتى رووا. وكان الزمان قيظة والحر شديد في بر مهلك، فلما رأوا ذلك قويت نفوسهم ووثقوا بنصر الله لهم، وقاتلوا الفرنج، فنصرهم الله عليهم، فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب، وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله تعالى.
ما إن فرغ صلاح الدين من أمر حلب، حتى جعل فيها ولده الملك الظاهر غازي - وهو صبي - وجعل معه الأمير سيف الدين باز کج، وكان أكبر الأمراء عنده، وسار إلى دمشق ومعه جند الشام والجزيرة وديار بكر، ثم سار إلى الفرنج فعبر نهر الأردن (يوم 9 جمادى الآخرة 579 ه=1183 م) فرأى أهل تلك النواحي قد فارقوها خوفا، فقصد بيسان فأحرقها وخربها، وأغار على ما هناك، فاجتمع الفرنج، وأقاموا معسكرهم في مواجهته، فحين رأوا كثرة جنده لم يقدموا عليه، فأقام عليهم
فن الحرب - الحروب الصليبية م