أسطولا، وسيره وفيه جمع كثير من المسلمين ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ الحاجب، وهو متولي الأسطول بديار مصر، وكان مظفرة فيه، شجاعة كريمة. فسار حسام الدين لؤلؤ مجدأ في طلبهم، فابتدأ بالذين على إيلة، فانقض عليهم انقضاض العقاب على صيده، فقاتلهم، فقتل بعضهم، وأسر الباقي. وسار من وقته بعد الظفر، بقص أثر الذين قصدوا عيذاب، فلم يرهم، وكانوا قد أغاروا على ما وجدوه بها، وقتلوا من القوه عندها وساروا إلى غير ذلك المرسي، ليفعلوا کما فعلوا فيه.
وكانوا عازمين على الدخول إلى الحجاز - مكة والمدينة - حرسها الله تعالى، وأخذ الحاج ومنعهم عن البيت الحرام، والدخول بعد ذلك إلى اليمن، فلا وصل لؤلؤ إلى عيذاب ولم يرهم، سار يقفو أثرهم، فبلغ رابغ وساحل الجوزاء وغيرهما، فأدر کهم بساحل الجوزاء، فأوقع بهم هناك، فلما رأوا العطب وشاهدوا الهلاك، خرجوا إلى البر، واعتصموا بعض تلك الشعاب، فنزل لؤلؤ من مراكبه إليهم، وقاتلهم أشد قتال، وأخذ خيلا من الأعراب الذين هناك، فركبها وقاتلهم فرسانة ورجالة - مشاة - فظفر بهم وقتل أكثرهم. وأخذ الباقين أسرى، وأرسل بعضهم إلى مني لينحروا بها. عقوبة لمن رام إخافة حرم الله تعالى وحرم رسوله، وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا جميعهم.
تتابعت الأنباء على صلاح الدين تحمل إليه الأخبار السيئة، ومنها وفاة ابن أخيه أمير دمشق (عز الدين فروخشاه) - في جمادي الأول من السنة ذاتها (578 ه = 1182 م) فلم يصرفه شيء عن هدفه، وأعاد - شمس الدين محمد بن المقدم - إلى حكم دمشق، ومضى هو بجيشه إلى آمد، وأمكن له الاستيلاء عليها (في العاشر من محرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة = 1183 م). واستولى بعدها على تل خالد وعينتاب. ولم يلبث أن استولى على (حلب وحارم) أيضا (*).
وبذلك أصبح صلاح الدين حاكم على البلاد. ما بين برقة غربة ونهر دجلة والفرات شرقا، وخضعت لحكمه المدن الكبرى الثلاث، القاهرة ودمشق
(*) انظر، قلعة حلب، قلعة حارم - في الفصل الثاني.