والمسيحيين الحرية في أن يجتاز كل من الجانبين بلاد الجانب الآخر. على أن رينالد ساءه أن يرى القوافل التجارية الإسلامية الوافرة الثروة وهي تسير مطمئنة آمنة قرب إقطاعه. ففي سنة 577 ه = 1181 م، استجاب رينالد لداعي الاغراء، فقاد قواته صوب الشرق، وقد عزم على المسير في البر إلى تبياء، ومنها إلى مدينة النبي عل، للاستيلاء على تلك النواحي الشريفة، فلما وصل إلى قرب واحة تماء، انقض على قافلة كانت تسير مطمئنة إلى مكة المكرمة، واستولى على كل ما تحمل من السلع التجارية. ولعله فكر أيضا في المضي لمهاجمة المدينة، غير أن نائب صلاح الدين في دمشق - فروخشاه - سارع إلى حشد جيش دمشق، وسار إلى نواحي إمارة الكرك ونهب بلاده وخربها، وعاد إلى طرف بلادهم، فلا علم رينالد شاتيون بذلك أسرع بالعودة إلى إقطاعه. وأقام فروخشاه ليمنع البرنس رينالد من المسلمين. فلما طال مقام كل واحد منهما في مقابلة الآخر، علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى تفرق جمعه، وانقطع طمعه من الحركة، فعاد فروخشاه إلى دمشق.
قدم صلاح الدين احتجاجأ إلى ملك القدس - بلدوين - عن نقض اتفاقية الهدنة، وطلب التعويض. وأقر الملك بلدوين عدالة الاحتجاج. وعلى الرغم من محاولة - رينالد شاتيون - عرض وجهة نظره والدفاع عنها، فانه رفض أداء كل ما يصلح سلو که أو يقومه. ولقي رينالد من التأييد من أصدقائه في حاشية الملك ما حمل بلدوين الضعيف على تجاهل الموضوع. لكن صلاح الدين لم يتجاهله، وحرص على متابعته، وحدث بعد بضعة شهور أن ساءت الأحوال الجوية، فأرغمت قافلة من السفن كانت تقل ألفا وخمسمائة حاج صليبي على الجنوح إلى الأراضي المصرية قرب دمياط، دون أن تعلم ما حدث من انتهاك للهدنة. فأمر صلاح الدين بتكبيلهم جميعا بالأغلال. ثم أرسل إلى بلدوين يعرض عليه استعداده لإطلاق سراحهم عند رد المتاجر التي نهبها رينالد، ولكن رينالد رفض للمرة الثانية أن يعيد شيئا. فأضحت الحرب أمرا لا مفر منه.
لقد ارتبط ذلك بحدوث تطورات داخلية على جبهة الشام، استدعت بدورها قدوم صلاح الدين إليها. فقد توفي أمير الموصل سيف الدين غازي بن مودود (سنة 579 ه) ولحق به في السنة التالية صاحب حلب (الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين