واستقر الحال، وأطلق الأسرى، وأعيدت أموالهم. وعلم صلاح الدين بوفاة أخيه شمس الدولة نورانشاه بن أيوب - في الاسكندرية، فرجع مسرعة إلى مصر، بعد أن استخلف بالشام ابن أخيه عز الدين فروخشاه - أو فرخشاه ..
لقد استطاع صلاح الدين تنظيم جهاز جاسوسية دقيق و محكم أمكن له بواسطته معرفة ما كان يجري على جبهة الفرنج من نزاعات وصراعات داخلية. وتوافرت له المعلومات عن تداعي سلطة امبراطورية الروم - البيزنطيين - وتمزقها. مما أبهج أمير أرمينية وانطاكية، واحتفلا بزوال ضغط بيزنطة بأن تشاجر كل منهما مع الآخر. إذ ما کاد أمير انطاكية بوهمند الثالث يعلم بوفاة الامبراطور البيزنطي - مانويل (في 24 تشرين الأول - اکتوبر 11800 م) حتى افترق عن زوجته اليونانية، كما يتزوج من امرأة
خليعة من أنطاكية اسمها سبيللا، ومع أن بطريرك أنطاكية - ايمري - لم يكن راضية عن زواج بوهمند من اليونانية، إلا أنه ارتاع لارتكاب جريمة الزنا، فقطع بوهمند من الكنيسة، وفرض الحرمان الديني على مدينة أنطاكية، وتوافر لنبلاء أنطاكية من الأسباب ما يحملهم على كراهية سبيللا، إذ كانت جاسوسة تتقاضى دخلا من صلاح الدين مقابل ما تقدمه من معلومات عن قوة جيوش الفرنج و تحركاتها. وقام هؤلاء النبلاء بمساندة البطريرك امري. واندلعت الحرب الأهلية. وابتهج صلاح الدين لما وقع بين امراء الفرنج في الشمال. إذ لم يعد باستطاعة الروم، ولا فرنج الشمال، أن يقوموا بأي عمل مزعج لإمارات المسلمين.
كان لزاما على مملكة بيت المقدس، في هذه الأحوال، أن تحافظ على الهدنة التي وقعت على وثيقتها (سنة 579 ه) وأن تتمسك بها قدر المستطاع. غير أن رينالد شاتيون الذي كان وقتئذ سيدة على إقطاع إقليم ما وراء الأردن وعاصمته الكرك. والذي وصفته المصادر الإسلامية بقولها: «كان البرنس أرناط صاحب الكرك من شياطين الفرنج ومردتهم وأشدهم عداوة للمسلمين (*) لم يكن بوسعه أن يفهم كل سياسة تتعارض مع رغباته. فبمقتضى شروط الهدنة، أضحى للتجار المسلمين
(*) الكامل في التاريخ - أحداث سنة 574 ه.