أن جماعة من الفارين لم يتوقفوا عند قلعة شقيف أرنون، بل مضوا في طريقهم إلى الساحل، فالتقوا برينالد سيد صيدا في عسكره، فأخطروه بأن الوقت قد فات، ولم يسعه إلا العودة، على الرغم من أنه لو استمر في سيره إلى نهر الليطاني، لكان بوسعه أن ينقذ عددا كبيرة من الفارين الآخرين.
لقد وقع في أسر صلاح الدين عددا من كبار قادة الصليبيين، منهم مقدم الداوية أو دو سانت أماند - الذي يعتبر تهوره وحماقته السبب الأساسي للهزيمة .. وبلدوين سيد ببنه، وهو سيد الجليل، ولم تلبث كونتيسة طرابلس - والدة هيو - أن افتدته خمسة وخمسين ألف دينار صوري. وطلب صلاح الدين مائة وخمسين ألف دينارا، فدية عن بلدوين صاحب ببينة، وهي فدية ملك، نظرا لما كان لبلدوين من أهمية بالغة الشأن عند صلاح الدين. ولم تمض إلا بضعة شهور حتى تم إطلاق سراح بلدوين، مقابل الإفراج عن ألف أسير من المسلمين، فضلا عن وعده بالتماس المال المطلوب للفدية. وجرى الاقتراح بمبادلة أودو بأحد كبار الأسرى المسلمين. غير أن مقدم الداوية بلغت به الغطرسة أنه لم يقبل بأن يساوي أحد في القيمة. فظل في الحبس بدمشق حتى قضى نحبه في السنة التالية.
عاد صلاح الدين من موقع المعركة إلى بانياس، وتجهز للدخول إلى حصن مخاضة الأحزان ومحاصرته، فسار إليه، وأحاط به، وبث العساكر في بلد الفرنج للإغارة، ففعلوا ذلك، وجمعوا من الأخشاب شيئا كثيرة ليجعله متارس للمنجنيقات. فقال له جاولي الأسدي، و هو مقدم الأسدية ومن أكابر الأمراء
والرأي أننا نجربهم بالزحف أول مرة ونذوق قتال من به، وننظر الحال معهم فإن استضعفناهم وإلا فنصب المنجنيقات ما يفوت ..
فقبل رأيه، وأمر فنودي بالزحف إليه والجد في قتاله، فزحفوا واشتد القتال، وعظم الأمر، فصعد إنسان من العامة، بقميص خلق، في باشورة الحصن، وقاتل على السور لا علاه، وتبعه غيره من أضرابه، ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة، فصعد الفرنج حينئذ منها إلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد.