وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية، فألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم، وإزاحتهم عنه. وأدر کهم الليل. فأمر صلاح الدين بالمبيت بالباشورة إلى الغد، ففعلوا، فلما كان الغد وأصبحوا، نقبوا الحصن وعمقوا النقب وأشعلوا النيران فيه، وانتظروا سقوط السور، فلم يسقط لعرضه، وانتظروه يومين، فلم يسقط. فأمر صلاح الدين باطفاء النار التي في النقب، فحمل الماء وألقي عليها فطفئت، وعاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور وألقوا فيه النار، فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول 575 ه (29 - آب - أغسطس - 1179 م). ودخل المسلمون الحصن عنوة وأسروا كل من فيه، وأطلقوا من كان به من أسارى المسلمين، وقتل صلاح الدين كثيرة من أسرى الفرنج، وأدخل الباقين إلى دمشق فسجنوا. وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم الحصن وعفي أثره وألحقه بالأرض (*).
أرسل ملك القدس - بلدوين - إلى صلاح الدين بطلب عقد الهدنة، وذلك بعد أن قام الأسطول المصري بغارة ناجحة على سفن الفرنج الراسية في ميناء عكا. وبعد أن شن المسلمون غارة عنيفة على الجليل. وتحددت الهدنة لمدة سنتين. ووافق صلاح الدين، فوقعها ممثلون عن بلدوين وصلاح الدين في سنة 571 ه (في شهر أيار - مايو 11800 م).
لقد كان هدف ملك الفرنج - بلدوين - من عقد هدنة مع صلاح الدين، هو كسب الوقت لإقامة جبهة صليبية قوية ومتماسكة تستطيع مجابهة القوة المتعاظمة للمسلمين، وكان صلاح الدين يحتاج بدوره لمثل هذه الهدنة لإعادة تنظيم جبهته الداخلية. وتوجه - في فصل الخريف. صوب الشمال - إلى الفرات. حيث وقع
(*) أكثر الشعراء من مديح صلاح الدين لتدمير حصن مخاضة الأحزان. فقال النشو بن نفاذة: ملاك الفرنج أن عاجلا وقد
أن تكسير صلبانها. ولو لم يكن قد دنا حتفها لما عمرت بيت أحزانها. وكذلك قول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي؛ أنسكن
أوطان النبيين عصبة تمين لدى أيمانها وهي تحلف. نصحتكم والنصح للدين واجب ذروا بيت بعقوب نقد جاء يوسف.