فأجابهم إلى ذلك. وانتظم الصلح. ورحل عن حلب، فلا وصل إلى حماه، وصلت إليه خلع الخليفة مع رسوله.
عندما رجع سيف الدين غازي إلى الموصل، أعاد تنظيم قواته، وفرق الأموال في جنده، واستنجد بامراء ماردين وحصن کيفا وسواها، فأمكن لهم حشد ستة آلاف فارس. فسار سيف الدين بهم إلى نصيبين، وأطال المقام حتى انقضى الشتاء، وضجر العسكر، ونفدت نفقاتهم، وصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر، لما كانوا يتوقعونه آن ظفروا من طول المقام بالشام بعد هذه المدة. ثم سار إلى حلب، فنزل إليه مدبر دولة الملك الصالح (سعد الدين كمشتكين) ومعه جيش حلب. و كان صلاح الدين في قلة من الجند لأنه كان صالح الفرنج في المحرم من هذه السنة (571 ه = 1170 م) وسير جنده إلى مصر. فأرسل يستدعيهم. فلو عاجلوه لبلغوا غرضهم منه. لكنهم تريثوا وتأخروا عنه، فجاءته قواته. فسار من دمشق إلى ناحية حلب، فالتقى الجيشان عند تل السلطان على طريق حماه - وعلى بعد مرحلة من حلب .. وكان سيف الدين قد سبقه. فلما وصل صلاح الدين كان وصوله وقت العصر، وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم
حركة، فأشار جماعة على سيف الدين بقتالهم وهم على هذا الحال، ولكن مقدم جيش الموصل - عز الدين محمود ويعرف باسم زلفندار. عارض ذلك وقال: «ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة غدا بكرة نأخذهم كلهم. فلما أصبحوا اصطفوا للقتال، فجعل زلفندار أعلامهم في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها. فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان سيف الدين قد انهزم، فلم يثبتوا، وانهزموا ولم يلو أخ على أخيه. ولم يقتل بين الفريقين على كثرتهم غير رجل واحد. وسار سيف الدين إلى حلب وترك فيها قوة بقيادة أخيه عزالدين مسعود، لدعم الملك الصالح، وعاد إلى الموصل. وأما صلاح الدين، فإنه لما استولى على أثقال جيش الموصل، سار إلى بزاغة فاستولى عليها، كما استولى على منبج، وسار منها إلى إعزاز فحاصرها وضيق عليها، ونصب عليها المنجنيقات، وبينما صلاح الدين يوما في خيمة البعض أمرائه، إذ وثب عليه باطنى - اسماعيلي - نضربه بسكين في رأسه فجرحه،