فرغ المسلمون من نهبهم و غنيمتهم وعادوا وعبروا النهر، وأدركهم الفرنج، فوقف مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم فقاتلوهم، فاشتد القتال وصبر الفريقان: الفرنج پرومون أن يلحقوا الغنيمة فيستردوها، والمسلمون يريدون أن يمنعوهم عنها لينجو بها من قد سار معها. فلما طال القتال بينهم، وابتعدت الغنيمة وسلمت مع المسلمين، عاد الفرنج ولم يستردوا منها شيئا
يظهر ذلك بوضوح سبب غضبة نور الدين من سلوك صلاح الدين يوسف بن ايوب، بعد أن ملکه مصر، وفتوره في غزو الفرنج من ناحيته، فقد اعتقد أن صلاح الدين يؤثر بقاء الفرنج بينه وبين بلاد الشام، ليمتنع بهم. ولهذا أرسل إلى الموصل و ديار بکر و ديار الجزيرة بطلب العساكر للغزاة. وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل والشام، ويسير هو بعساکره إلى مصر، فبينما هو پنجهز لذلك أتاه أمر الله الذي لا مرد له. وترك الدنيا لأهل الدنيا، واكتفى من دنياه بما قدمه لآخرته (*)
كان نور الدين في الحرب يأخذ قوسين وتر کشين ليقاتل بها. فقال له القطب النساوي الفقيه:
(*) نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن أقسنقر (511 - 599 ه - 1117 - 1173 م) مات بعله الخوانيق، ودفن بقلعة دمشق، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الحواصين. طبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله حتى قيل فيه بأنه ليس بعد الخلفاء الراشدين، وعمر بن عبد العزيز، أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريأ عنه للعدل، وأما شجاعته قاليها النهاية، بني أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها، فمنها دمشق وحمص وحماه وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها. وبنى المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية، وبني الجامع النوري بالموصل. وبتي البهارستانات والحانات في الطرق. وبني الخانكاهات في جميع البلاد. وكان يكرم العلماء وأهل الدين وبعلمهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه، وينبسط معهم ولا يرد لهم قولا. ويکاتبهم بخط يده. كان يصلي كثيرة بالليل، ولا بأكل ولا بلبس ولا ينصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له، قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، شکت له زوجته من الضائقة. فقال لها: وليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين، لا أخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك ..