جيشه الذي أعاد تنظيمه، وأرسل إلى أخيه صاحب الموصل قطب الدين مودود وإلى صاحب حصن کيفا. فخر الدين قرا أرسلان، وإلى صاحب ماردين نجم الدين ألبي، وإلى غيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم، فساروا إليه بجيوشهم، فسار هم نور الدين إلى حصن حارم الذي حاول قبل ذلك أن يفتحه ولكن الحظ لم يحالفه، فحصره وضيق عليه، وأسرع الفرنج فاحتشد جيش أنطاكية وجيش طرابلس بالاضافة إلى
جيش الروم. واستطاع نور الدين الانتصار على تجمع جيوش الفرنج، وفتح حارم، ثم أتبعها بفتح بانياس. وفي سنة 561 ه = 1195 م. فتح نور الدين حصن المنيطرة من بلاد الشام، وكان بيد الفرنج، ولم يحشد له ولا جمع عساکره، وإنما سار إليه في قوة خفيفة من الفرسان - جريدة - وحصر الحصن وجد في قتاله، فأخذه عنوة وقهرة، وقتل من به وسبي وغنم غنيمة كثيرة، فإن الذين به كانوا آمنين، فأخذتهم خيل الله بغتة وهم لا يشعرون. ولم يجتمع الفرنج لدفعه إلا وقد ملكه. ولو علموا أنه في قلة من الجند الأسرعوا إليه، وإنما ظنوه أنه في جمع كثير، فلما ملکه تفرق الفرنج وأيسوا من رده. وفي سنة 563 ه = 1199 م. وبينما كان أسد الدين شير کوه يخوض صراعة مريرة في مصر، قام نور الدين بفتح صافيتا وعرية، وتمكن بذلك من إرغام الفرنج على الانسحاب من مصر. وعمل في سنة 564 ه = 1198 م على فتح قلعة جعبر التي كانت من أمنع القلاع وأحصنها على الفرات. ورغم أنها لم تكن في قبضة الفرنج إلا أن امتلاكها زاد من قوة نور الدين. وعندما توجه الفرنج لحصر دمياط سنة 565 ه = 1199 م. قام نور الدين بإلقاء الحصار على الكرك. وتصادف في تلك الفترة أن سار صاحب قلعة ألبيرة - شهاب الدين الياس بن ايلغازي بن أرتق - ومعه مائتي فارس. للالتحاق بجيش نور الدين، ووصل إلى قرية اللبوة القريبة من بعلبك، فأراد أخذ قسط من الراحة، وخرج متصيدة فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ساروا للإغارة على بلاد الإسلام، فاشتبك معهم، واشتد القتال، وصبر الفريقان وكان صبر المسلمين أكبر، إذ لا يمكن القول أن الفرنج قد صبروا وعدد فرسانهم ألف ثلاثمائة مقابل ثلاثمائة فارس من فرسان المسلمين. وكثر القتل بين الطائفتين، فانهزم الفرنج، وعمهم القتل والأسر. فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به، وسار شهاب الدين برؤوس القتلى