8. العدو الأكبر للفرنج
لقد ظهر للفرنج أن نور الدين محمود هو أكبر عدو لهم. وأنه تجاوز بعدائه جميع من سبقه من الأمراء ومن قادة المسلمين الذين عرفهم الفرنج منذ وطئت أقدامهم تراب الشام. وقد استطاع نور الدين تحقيق انتصارات كثيرة على جيوش الفرنج، وقتل كثيرة من أمرائهم وقادتهم، وانتزع منهم كثيرة من قلاعهم وحصونهم، غير أن الأهم من ذلك هو تنسيق التعاون بين مسلمي الشام ومصر، وحشد كافة القوى ضد الفرنج الصليبيين. وقد ظهر ذلك واضحا خلال الأعمال القتالية التي خاضها الفرنج على أرض مصر.
تعرض نور الدين محمود الأول وأكبر هزيمة في حياته سنة 558 ه = 1112 م. في الموقعة المعروفة باسم موقعة البقيعة - تحت حصن الأكراد. حيث ضرب نور الدين حصارا على هذا الحصن، وذلك قبل توجهه إلى طرابلس لحصارها - على ما كان يعتزم -. فبينما الناس وما في خيامهم، وسط النهار، لم يرعهم إلا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، وذلك أن الفرنج اجتمعوا واتفقوا على مباغتة المسلمين بهجوم نهاري، حيث يكون المسلمون آمنين. فركبوا من وقتهم، ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساکرهم، وساروا مجدين، فلم يشعر بذلك المسلمون إلا وقد قربوا منهم. فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك. فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال، فرهقهم الفرنج بالحملة، فلم يثبت المسلمون، وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج في ظهورهم، فوصلوا معا إلى معسكر نور الدين، ولم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم، فأكثروا القتل والأسر. وكان أشدهم على المسلمين الدرقس الرومي - القائد البيزنطي قسطنطين کولومان - فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم، فقاتلوا محتسبين في زعمهم، فلم يبقوا على أحد، وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه، ونجا بنفسه، ونزل نور الدين