صلاح الدين يطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله فأرسلهم إليه، وشرط عليهم طاعته والقيامة بأمره ومساعدته، وكلهم فعل ذلك، وأخذ إقطاعات المصريين، فأعطاها أهله والأمراء الذين معه، وزادهم، فازدادوا له حبا وطاعة.
جابه صلاح الدين يوسف مشكلة صعبة فور تسلمه الوزارة. فقد كانت أمور قصر العاضد والحكم فيه، والتقدم على جميع من يحويه، في قبضة خصي سوداني لقبه. مؤتمن الخلافة - ويظهر أن اسناد الوزارة إلى صلاح الدين قد حرمه و كثيرين من كبار المصريين من امتيازاتهم، فاتفقوا على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى البلاد، والتقوي بهم على صلاح الدين ومن معه، وسيروا الكتب مع إنسان يثقون إليه، وأقاموا ينتظرون جوابه، وسار ذلك المراسل إلى - البئر البيضاء. فلقيه جندي تركماني، ورأى هذا الجندي مع المراسل نعلين جديدين، فأخذها منه. وقال في نفسه: «لو كانا مما يلبسه هذا الرجل لكانا خلقين، فإنه رث الهيئة، وارتاب به وبها، فأتي به صلاح الدين، ففتقها فرأى الكتاب فيها، فقرأه وسکت عليه، و كان مقصود مؤتمن الخلافة أن يتحرك الفرنج إلى الديار المصرية، فإذا وصلوا إليها خرج صلاح الدين في جيشه القتالهم، فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه من المصريين على متخلفيه، فيقتلونهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين فيأتونه من وراء ظهره، والفرنج من أمامه، فلا يبقى لهم باقية. فلما قرأ صلاح الدين الكتاب سأل عن كاتبه، فقيل له: إنه رجل يهودي. فأحضر صلاح الدين هذا اليهودي وأمر بضربه واستجوابه، فأشهر اليهودي إسلامه، ثم اعترف وأخبره الخبر. وأخفي صلاح الدين معرفته بالأمر. واستشعر مؤتمن الخلافة افتضاح أمره، فلازم القصر لا يبارحه إلا برفقة صلاح الدين الذي لم يظهر له شيئا. فلما طال الأمر، خرج مؤتمن الخلافة من القصر إلى قرية له تعرف بالخرقانية للتنزه. فلما علم به صلاح الدين، أرسل إليه جماعة؛ فأخذوه وقتلوه، وأتوا برأسه. وعمل صلاح الدين فورا على عزل جميع الخدم الذين كانوا يتولون أمر نصر الخلافة، واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش وهو خصي أبيض. وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره. فغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة - للجنسية. ولأنه كان يتعصب لهم، فحشدوا وجمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألفا، وقصدوا حرب