معين الدين أنز العروض، مما حل عماد الدين على السير إلى بعلبك، فلما وصلها نازلها، وضيق عليها، وجد في محاربتها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقة، ترمي ليلا ونهارا حتى أشرف من بها على الهلاك، وطلبوا الأمان، وسلموا إليه المدينة، وبقيت القلعة و بها جماعة من الشجعان الأتراك، فقاتلهم، فلا أيسوا من معين ونصير، طلبوا الأمان، فأمنهم، فسلموا إليه القلعة، فلا نزلوا منها، وملكها، غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج منهم إلا القليل، فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه، وخافه غيرهم، وحذروه، لاسيا أهل دمشق. فقالوا: ولو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء فازدادوا نفورة وجدوا في محاربته عندما رجع إليهم، بعد أن فتح بعلبك. ونزل على قرية داريا - في ظاهر دمشق، (سنة 534 ه = 1139 م) فالتقت الطلائع، واقتتلوا، وكان الظفر لعسكر زنکي. وعاد الدمشقيون منهزمين وقد قتل كثير منهم. ثم تقدم زنكي من البلد، فلقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجال الغوطة، فقاتلوه، فانهزم الدمشقيون، وأخذهم السيف، فقتل فيهم وأكثر، وأسر كذلك، ومن سلم عاد جريحا، واشرف البلد ذلك اليوم على التسليم. لكن عاد زنكي وأمسك عن قتال دمشق عشرة أيام، وتابع ارسال الرسل إلى صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختاره من البلاد، فال إلى أن يسلم، وامتنع غيره من أصحابه من ذلك، وخوفوه عاقبة فعله، وأن يفعل ويغدر کما فعل بأهل بعلبك، فلما لم يسلموا إليه عاود القتال والزحف. وتصادف أن مات صاحب دمشق رولي بعده (مجير الدين أبق) ابن صاحبها جمال الدين، وتولى ترتيب دولته (معين الدين أنز) فلم يظهر الموت جمال الدين أثر مع أن عددهم على باب المدينة.
ورأى (معين الدين أنز) أن زنكي لا يفارقهم، ولا يزول عن حصرهم، فراسل الفرنج واستدعاهم إلى نصرته، وأن يتفقوا على محاربة زنكي، وأبعاده عن دمشق، وبذل لهم بذرة، منها أن يسير إلى بانياس - التي كانت تابعة لحكم زنگي. وأن ياخذها ويسلمها لهم. کا خوفهم من زنكي إن ملك دمشق. فعلموا صحة قوله. وعرفوا أنه إن ملك دمشق لا يبقى لهم معه بالشام مقام.
واجتمع الفرنج، وعزموا على المسير إلى دمشق ليلتقوا بصاحبها وعسكرها،