إلى حراز، فملكها، وأعمل الفرنج الحيلة باستمالة بعض الجند، فأمكن لهم ملك القلعة، واتخذ الملك بغدوين من الليل ستارة للهرب ومضى إلى القدس. وعلم بلك بما حدث فعاد بجيشه و حصر (خرتبرت) وضيق على من بالقلعة واستعادها من الفرنج، وجعل فيها من يحفضها، وعاد عنها.
أظهر الأمير أقسنقر البرسقي كفاءة في إعادة تنظيم الموصل وما يتبعها. فما كان من السلطان محمود إلا أن ضم إليه مدينة واسط وأعمالها. فوجه اقسنقر إليها عماد الدين زنكي بن اقسنقر، واستطاع الفرنج بعد حصار متطاول الاستيلاء على مدينة صور (سنة 518 ه = 1124 م) مما زاد من طمعهم، وقويت نفوسهم، وتيقنوا الاستيلاء على بلاد الشام. واستكثروا من الجموع. وقصدوا حلب، فما كان من البرسقي إلا أن أسرع إليها. واتفق مع أهلها على تسليمها له (*) ورحل الفرنج عن حلب، عندما عرفوا قوتها. وعمل البرسقي على انتزاع كفر طاب من الفرنج (سنة 519 ه = 1125 م) وعاد إلى الموصل حيث عمل الباطنية على قتله في السنة التالية. ومن العجب أن صاحب أنطاكية أرسل إلى عز الدين مسعود بن البرسقي - الذي كان ينوب عن أبيه بحكم حلب - يعلمه بقتل والده، قبل أن يصل إليه الخبر. وكان قد علم به الفرنج قبله لشدة عنايته بمعرفة الأحوال الإسلامية، وربما لاتصال الفرنج بالباطنية - الإسماعيلية - واستخدامهم لهم (**) وعلى كل حال، فإن المنية عاجلت عز الدين مسعود بن البرسقي، فتوفي في السنة التالية (521 ه = 1127 م). وأصبح عماد الدين زنگي أميرة على الموصل، وما ضمته الموصل من الأقاليم، فانصرف عماد الدين زنكي لإعادة
(*) انظر (قلعة حلب) في الفصل الثاني.
(**) اغتيل قسيم الدولة أقسنقر البرسقي بمدينة الموصل يوم الجمعة الثامن ذي القعدة سنة 520 ه.
1129 م. وكان يصلي الجمعة مع العامة، فوثب عليه بضعة عشر نفسا فجرحوه بالسكاكين. وكان أقسنقر مملوكة تركية، خبرة، يجب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها. ويصلي من الليل منهجدة. وعندما علم ابنه عز الدين مسعود بن البرستي، سار إلى الموصل، وأحسن إلى أصحاب أبيه، وأقر وزبره المؤيد أبا غالب على وزارته، وأطاعه الأمراء والأجناد، والمصدر إلى خدمة السلطان محمود، فأحسن إليه وأعاده. ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه.