البرسقي إلى الموصل في عسكر كثير، وملكها، وأقام يدبر أمورها ويصلح أحوالها.
وبقيت مصر وهي بعيدة نسبية عن الصراع، منصرفة إلى صراعاتها الداخلية، وزاد الأمر سوءا باغتيال أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي (*) على أيدي الباطنية. وبقي على دمشق وحلب قيادة الصراع وحدها. ففي الجنوب تمكن أمير دمشق طغتكين من الايقاع بطائفة من الفرنج، فقتل منهم وأسر، وأرسل من الأسرى والغنيمة للخليفة وللسلطان محمود. وفي الشمال، وجه أمير حلب ايلغازي جيشة بقيادة ابن أخيه - بلك ابن بهرام - إلى مدينة الرها، فحصرها، وبها الفرنج، وبقي على حصارها مدة، فلم يظفر بها، فرحل عنها. فجاءه إنسان تر کاني وأعلمه أن صاحب الرها جوسلين قد جمع من عنده من الفرنج وهو عازم على مباغتته، وكان قد تفرق عن بلك أصحابه، وبقي في أربعمائة فارس، فوقف مستعدة لقتالهم. وأقبل الفرنج، ودخلوا في أرض قد نضب عنها الماء فصارت وح" غاصت خيولهم فيه. فلم نتمكن مع ثقل الفرسان والسلاح من الاسراع والجري. فرماهم أصحاب بلك بالنشاب، فلم يفلت منهم أحد، وأسر جوسلين، وجعل في جلد جمل، وخيط عليه، وطلب منه أن يسلم الرها فلم يفعل، وبذل في فداء نفسه أموالا جزيلة، وأسرى كثيرة، فلم يجبه إلى ذلك، وحمله إلى قلعة (خرتبرت) فسجنه بها، وأسر معه جماعة من فرسانه. ولما علم ملك القدس - بغدوين - بأسر أمير الرها، سار بجيشه. (سنة 517 ه = 1123 م) فأعد بلك ابن بهرام بن أرتق عدته، وخرج لمقابلته - قرب دياربکر - وجرت معركة قاسية انتهت بهزيمة الفرنج وأسر ملكهم، ومعه جماعة من أعيان فرسانهم، فحملهم بلك إلى سجن (خرتبرت ليلتقوا هناك بأمير الرهاجوسلين وغيره. وسار بلك عن حرتبرت
(*) الأفضل بن بدر الجمالي (458 - 515 ه - 1090 - 1121 م) كان هو صاحب الأمر والحكم
بمصر بعد أبيه بدر الجالي. وكانت مدة ولايته بعد أبيه ثمانية وعشرين سنة، قتله ثلاثة من الباطنية - الاسماعيلية - لأنهم اتهموه بتضييع أمامهم، وترك معارضة أهل السنة والنهي عن مقاومتهم وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها. فكثر الغرباء في مصر لما عرف عنه من العدل بين الرعبة وحسن السيرة، وقد عمل الحاكم الفاطمي الأمر بأحكام الله على مصادرة أمواله بعد اغتباله. واعتقل أولاده السبعة.