وقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد من سلم منهم مغلولين. فلما رأى بلدوين شدة الأمر، خاف من القتل أو الأسر، وألقى نفسه في المروج، واختفى فيها، فلا أبتعد المسلمون، خرج من مخبئه إلى الرملة. وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة ونزل على قصر بالرملة وبه سبعمائة من أعيان الفرنج - وفيهم بلدوين الذي هرب متخفية إلى يافا عندما وصل جيش المعالي بن الأفضل - وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة عشر يوما ثم أخذها، فقتل منهم أربعمائة صبرة، وأسر ثلثمائة فنقلهم إلى مصر. ثم اختلف أصحابه في مقصدهم، فقال قوم نقصد القدس ونتملکه، وقال قوم نقصد بافا ونملكها. فبينما هم في هذا الاختلاف إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر قاصدين زيارة القدس، فندبهم بلدوين للغزو، فساروا إلى عسقلان و بها شرف المعالي، فلم يكن يقوى بجربهم، إلا أن الفرنج هالهم ما شاهدوه من قوة تحصينات عسقلان، وخافوا من هجوم ليلي يشنه عليهم المسلمون، فانسحبوا إلى يافا، وعاد الأفضل إلى أبيه في مصر. وفي السنة التالية (497 ه = 1103 م) خرج الفرنج من الرها، وافترقوا فرقتين، وأغاروا على الرقة وقلعة جعبر في يوم واحد. واستاقوا المواشي وأسروا من وقع بين أيديهم من المسلمين، أما في الجنوب، فقد نجح الفرنج بالاستيلاء على جبيل. ودخلوها بالأمان فغدروا بأهلها وأخذوا أموالهم، ثم استولوا على عكا وملكوها بالسيف، قهرة، و فعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. أما حاكمها فقد رجع إلى مصر.
قد يكون من طبيعة الأمور في مراحل الانهيار التي تنتاب الشعوب أحيانا أن تختلط الأمور بعضها ببعض، وأن تضيع القيم، فبحاول الخصوم المتنافسون الاستعانة بالاعداء ضد الأصدقاء.
وهذا ما حدث في هذه السنة (497 ه) عندما توفي حاكم دمشق وأميرها دقاق بن تتش بن ألب أرسلان، فتولى قائد الجيش - الأتابك طغتكين - الوصاية على ابن دقاق الطفل، وطمع عم الطفل - بکتاش بن تتش - حكم دمشق، فقصد بعلبك وجمع الرجال وانضم إليه حاكم بصرى الأمير أيتكين الحلبي، وسارا إلى حوران، ولحق بها كل من يريد الفساد. واتصلا يملك القدس بغدوين - بلدوين - فسار إليهما واجتمعوا واتفقوا، غير أن بكتاش وايتكي لم يريا من بلدوين غير التحريض على