أولئك الفرسان الأحلاف القادمين من الغرب، اشتد تأثرهم بما للبلاط البيزنطي من الأبهة والعظمة، وبما اتسم به رجال البلاط من الطباع الرزينة والتصرفات المهذبة، مع الحرص على مراعاة المراسيم، غير أنهم نفروا من ذلك. وكان ما أصاب كبرياءهم من الجراح هو الذي جعلهم غلاظ الطباع، يميلون إلى المشاكسة، شأن الأطفال الشرسين.
يمكن الانتقال إلى صورة أخرى تمثل قوة من القوى التي كان لها دورها الكبير في الحملة الصليبية الأولى، وهي قوة النورمان في ايطاليا وصقلية. وهذه قوة لم تحفل في أول الأمر بدعوة البابا ايربان للحروب الصليبية، نظرا لاستمرار الحروب الأهلية التي نشبت فيما بينهم في جنوب ايطاليا، عقب وفاة روبرت جويسکارد، فالمعروف أن روبرت هذا كان قد طلق زوجته الأولى التي انجب منها بوهمند. وأوصى بدرقية. أبوليا - إلى ابنه روجر بورصا من زوجته الثانية سيجلجايتا. فأعلن بوهمند الثورة على أخيه روجر بورصا، وعزم على أن يستخلص لنفسه اوترانتو (طارنت) في أقصى الطرف الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة، وذلك قبل أن يلجأ عمهما أمير صقلية. روجر - إلى تسوية الأمور بينهما. ولم يعترف بوهمند بالهدنة التي فرضها البابا، فاستمر في العمل سرة وخلسة على مناهضة أخيه روجر بورصا. ثم حدث في صيف سنة 1091 م، أن اتفقت الأسرة الملكية كلها على أن تنزل العقاب بمدينة - أمالفي - الثائرة عليهم، وكانت المرسومات البابوية المتعلقة بالحرب الصليبية قد صدرت فعلا. واجتاز البحر جماعات صغيرة من الايطاليين من جنوب شبه الجزيرة نحو الشرق. ثم أدرك بوهمند أهمية الحركة الصليبية حين وصلت جيوش الصليبيين المتحمسة والقادمة من فرنسا، واستقرت في ايطاليا، حيث أدرك بوهمند عندها أن من مصلحنه الافادة منها، لاسيما وأن عمه أمير صقلية - روجر - لن يسمح له مطلقة بأن يضيف إلى أملاکه دوقية أبوليا. فرأى أنه من الخير له بأن يقيم مملكة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وما اتصف به الصليبيون الفرنسيون من الحماسة، قد أثار عدوى الحماسة إلى الجنود النورمان المرابطين أمام - أمالفي .. ولقي النورمان التشجيع من بوهمند، فأعلن أنه سوف يشترك في الحملة الصليبية، ودعا بوهمند جميع المسيحيين المؤمنين