لقد كان الصراع بين الفرنج الصليبيين من جهة والعرب المسلمين من جهة ثانية، مجالا لحوار الارادات المتصارعة، قذف فيه الفرنج بكل ما توافر لهم من القوى، وقذف فيه المسلمون بما يعادل تلك القوى. وارتبطت نتيجة الصراع في النهاية، بالطرف الأكثر تصمية والأكثر عنادا، فكسب المسلمون الجولة النهائية، وبرهنوا على أنهم الطرف الأقوى في الحوار، اعتمادا منهم على حقهم وعلى عدالة قضيتهم. وعرف الفرنج هذه الحقيقة، فاضطروا مرغمين على الانسحاب من حلبة الصراع - ولو إلى
حين -. ولقد تطورت أساليب الحوار وتنوعت. ولعل هذا ما يمكن تعلمه من التجربة الذاتية، وهو الاعتماد على اسس الصراع الثابتة وتطوير العوامل المتحولة - أو غير الثابتة - بما يتناسب مع الظروف المحلية والدولية.
لقد جرى حوار الارادات المتصارعة بين المسلمين والفرنج في إطار سياسة استراتيجية هجومية - دفاعية. وأظهر المسلمون تفوقهم في الأساليب الهجومية، واعتمد الفرنج على الوسائل الدفاعية (الحصون والقلاع). فكان الحوار على مستوى الأعمال القتالية هو حوار بين الهجوم والدفاع. ولكن ذلك لا يعني أن المسلمين قد التزموا بالهجوم دائما، وأن الفرنج أخذوا بأساليب الدفاع باستمرار، بل كان الأخذ بالهجوم وتفضيله على الدفاع، أو المزج بين الهجوم والدفاع مرتبطة بكل مرحلة من مراحل الصراع، وبما يستجد فيه من العوامل.
لقد امتد مسرح الأعمال القتالية على امتداد الجبهات الاسلامية، بداية من أرض الأندلس ومرورا بأقطار المغرب العربي الإسلامي وجزائر البحر الأبيض المتوسط، ونهاية بأرض بلاد الشام. واستمر هذا الصراع طوال قرون متتالية. ولهذا فقد يكون من الصعب التعرض لكل ما تضمنته هذه الحرب الشاملة من وقائع وأعمال. وحتى ما
جرى على أرض بلاد الشام هو أكثر اتساعا من أن يشمله بحث. ولهذا كان لا بد من التوقف عند الأحداث الرئيسة، وتجاوز بعض الأحداث الثانوية. ونظرا لما كان للحصون والقلاع من دور في هذه الحرب الشاملة فقد ظهر أنه من المناسب التركيز على بعضها وليس كلها، وتجاوز ما كان دوره ثانوية، أو ما كان متشابهة، ولقد زالت أهمية القلاع والحصون بتطور الوسائط النارية، واستعيض عنها بالحفر عميقة في باطن