لقد حظيت تجربة الحملات الصليبية القديمة باهتمام الباحثين في الأزمنة الحديثة .. في أقطار الغرب عامة .. وقد صدرت خلال النصف القرن الماضي - أي منذ إقامة الكيان الصهيوني على وجه التحديد. مجموعة ضخمة من المؤلفات والكتب والأبحاث، فهل جاء هذا الاهتمام المباغت بصورة تلقائية. عفوية.؟. أم جاء في إطار خطة مبرمجة هدفها استثمار الدروس المستخلصة من تلك التجربة؟
للاجابة على هذه التساؤلات، وأمثالها، قد يكون من الضروري مقارنة الممارسات الإسرائيلية - الصهيونية - الحديثة، بما جرى على أرض فلسطين خلال الحملات الصليبية القديمة، وعندئذ يظهر التشابه المثير في سلوك هذه مع تلك و ممارساتها. وعلى سبيل المثال لا الحصر: ممارسة الارهاب ضد العرب المسلمين خاصة، وتنظيم الطوائف الدينية المتطرفة، وتغذية ودعم المذاهب الطائفية في الوسط الإسلامي. ومحاولات عزل مصر عن العالم العربي - الإسلامي، ومحاولات الوصول إلى ما وراء نهر الأردن بحجة تأمين العمق الاستراتيجي، وتصعيد الهجوم على القوى المضادة للصليبية مع كل تعاظم في الوعي الإسلامي الخ ... ومن المحتمل القول أن هذا التشابه هو من الأمور الطبيعية بسبب الوضع الخاص الذي تعيشه اسرائيل مع ذاك الذي عاشته الكيانات التي أقامها الفرنج في الحملات القديمة. فعندما تتشابه الظروف فانها تفرز ردود فعل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابهة. غير أن ذلك لا يزيل اليقين في محاولات أصحاب المشروع الصهيوني الافادة من تجربة الحملات الصليبية القديمة، واستثمار الدروس المستخلصة منها، وتوظيفها لمصلحة الحملة الصليبية الجديدة
تظهر من خلال ذلك أهمية العودة إلى التجربة التاريخية الذاتية، في مجال فن الحرب سواء على مستوى السياسة الاستراتيجية أو على مستوى إدارة الحرب والأعمال القتالية، بل وحتى على المستوى التعبوي - التکنيکي .. ولقد تطورت الأسلحة تطورا مذهلا. كما تطورت طرائق إدارة الحرب والعمليات بما يتناسب مع تطور الأسلحة، غير أن الأسس الثابتة بقيت محتفظة بأهميتها الكاملة.