(إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني) أي خيروني بين أن يطلبوا العطاء بالإلحاح والغلظة والصوت العالي والتبجح، وبين التشهير بي ونسبتي إلى البخل، ولا ينبغي احتمال واحد من الأمرين.
(ولست بباخل) أي فاخترت مداراتهم بالعطاء.
(وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية) أي غليظ البطانة، أو الشريط الذي يوضع على الأطراف، أي قويها، وفي رواية: "وعليه برد" والرداء ما يوضع على العاتق أو بين الكتفين من الثياب على أي صفة كان، والبرد البردة بسكون الراء كساء أسود فيه خطوط أو صور، والنجراني بفتح النون الأولى نسبة إلى نجران، بلد معروف بين الحجاز واليمن.
(فأدركه أعرابي) وفي رواية: "فجاء أعرابي من خلفه" وفي بعض الروايات أن ذلك وقع من الأعرابي وأن الرسول ﷺ خارج من المسجد داخل حجرته، فكأنه لقيه خارج المسجد فأدركه، وهو يكاد يدخل، فكلمه وأمسك بثوبه يمنعه من الدخول. فقد ذكر البخاري هذا الحديث عقب حديث عن جبير بن مطعم: "أنه بينا هو مع رسول الله ﷺ، ومعه الناس مقبلًا من حنين علقت الأعراب برسول الله ﷺ يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة بها شوك -وفي رواية: "حتى عدلوا بناقته عن الطريق، فمر بشجر فيه شوك، انتهش ظهره وانتزع رداءه، فقال: اعطوني ردائي فلو كان عدد هذه الفروع والأوراق نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا". وكان رسول الله ﷺ قد أجل قسمة غنائم حنين أربعين ليلة حتى عاد من الطائف، فلم يصبر الأعراب.
(فجاذبه حتى انشق البرد، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله ﷺ) قال القاضي: يحتمل أنه على ظاهره، وأن الحاشية انقطعت وبقيت في العنق [أي انفصلت البطانة عن وجه الرداء، فكان الوجه في يد الأعرابي والبطانة في العنق، وربما كان اتصالهما ضعيفًا] ويحتمل أن يكون معناه، بقي أثرها، لقوله في الرواية الأخرى: "أثرت بها حاشية الرداء". وفي الرواية السابقة: "ثم جبذه إليه جبذة رجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي". وجبذ وجذب بمعنى واحد.
(قسم رسول الله ﷺ أقبية) بفتح الهمزة، جمع قباء بفتح القاف، فارسي معرب، وقيل: عربي. واشتقاقه من القبو، وهو الضم، ويقال: هو الذي له شق من خلفه. قال القرطبي: هو ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يلبس في السفر والحرب، لأنه أعون على الحركة. اهـ وفي رواية: "قدمت على نبي الله ﷺ أقبية". وفي رواية: "أهديت للنبي ﷺ أقبية من ديباج، مزرورة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه".
(ولم يعط مخرمة شيئًا) أي في حال القسمة، ففي رواية: "فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدة لمخرمة". ومخرمة هو ابن نوفل الزهري كان من رؤساء قريش، ومن العارفين بالنسب، تأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حنينًا، وأعطى من غنيمتها مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة.