تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستمر على تلك الصورة التي في ورقة ناظر الخاص، فتأكد الظن أنها منه والله الهادي، وكان ناظر الخاص، لكثرة ما رأى من المصائب وعاداه من الرجال، وعانى في حفظ جاهه ومنصبه، لما عنده من الشهامة والأنفة؛ قد حصلت له أمراض كثيرة، منها فتق قريب صدره، وخرج له منه شيء كهيئة الخراج، وكان يقال أنه دبله، وأنها قاتلته.

وكان ربعة إلى القصر، وإلى الرقة، إلا أنه حلو الشكل، حسن الكلام، خفيف الروح، وكان يلثغ في الراء لثغة خفيفة، وكانت عمامته في غاية الكبر لبرد في رأسه، ولحيته حسنة، ولم يكن في عصرنا رئيس إلا وله أضداد يقاومونه في بعض الأشياء وإن كان أعلى منهم إلا هذا فإنه كان في الرئاسة نيفا وعشرين سنة كان في أكثرها بلا مقارب في الرئاسة، ومع ذلك، فكانت تمر عليه أوقات يتمنى فيها الموت لوصوله في الرئاسة إلى حد لا يعرف شيء من تعلق المملكة إلا منه، مع تسخط كثير من الرؤساء عليه؛ لعجزه عن إرشائه، وعدم سماحه بأن يكل الأمور إلى غيره، ويتبرأ منها، إلى أن مات، وهو أسخط ما يكون على الدنيا على نحو خمسين سنة فأف لرئاسة هذا وصفها.

ولما مات توفرت دواعي الناس لرؤية جنازته، فما رأيت يوما كان أكثر زحاما منه ولا اجتماعا إلا في جنازته، وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، لكن ذاك كان على أحسن ما يكون من النظام والسكون، وهذا على أسوأ ما يكون نظاما، وأشد ما يكون هرجا ومرجا وجلبة.

كانت الطرق لا تنشق من كثرة الناس، في كل سكة خلق لا يحصون ما بين ماش وساع وراكض وغيره، بعضهم ذاهب، وبعضهم آيب،

إظهار العصر لأسرار أهل العصر · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إظهار العصر لأسرار أهل العصرج ٢ · ص ٣٩٦