أن لا يفعل معه ما يليق بمقامه، ولبس القضاة الكبار، وكاتب السر، ونائبه معين الدين، وما جرت به عادتهم.
موت الحنبلي:
وفي ليلة الخميس سابع جمادى الأولى المذكور، مات قاضي القضاة بدر الدين محمد بن المحب محمد بن البغدادي الحنبلي، عن نحو ستين سنة بعلة طويلة، كان ابتداؤها حمى بلغمية، وصل في آخرها إلى الصرع، فغاب أربعة أيام إلى أن مات في الليلة المذكورة، وصلى عليه من الغد أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وكانت جنازته حافلة بالقضاة، والمشائخ، والمباشرين، وغيرهم، وكان من أفراد الزمان، شهامة، وحلما، وعلو همة، ومعرفة، ودهاء، وخبرة بأبناء الزمان، وما يليق بكل واحد منهم، من المقال والفعال، فكانت كلمته لا ترد عند سلطان ولا غيره، من حين ولي القضاء، وإلى أن مات، لكنه كان ألكن جدا، قليل البضاعة في الفقه، عريا عن غيره، أعور بشع المنظر، أحص اللحية، أصفر اللون إلى كدرة، طويلا سمينا بترهل، وله في كلامه الناشئ عن تفاصحه، مع لكنته، وقلة علمه غرائب، لو حفظت لكانت كثيرة، منها: أني سمعته يعبر عن الفقرة (إحدى السجعات) بالقفرة (بقاف، ثم فا)، ونشأ مبذول النفس، غير نقي العرض، ثم استمر يشهر بذلك، بعد أن كبر، وولي القضاء، بحيث أخبرت بذلك من جهات شهيرة، منها: سند متصل متحف بقرائن تدل على صحته، وكان عنده عقل ودهاء، فجرد نفسه من حظها، ونظر في أحواله، فعلم هذه النقائص، ولم يعمه حب نفسه عنها، وعلم أن الناس عالمون بها،