تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولنقض هذه الأقوال التي تزعم أن بيعة أبي بكر كانت على طريقة أهل الجاهلية في اختيار الزعيم نقول: إن هذه الأقوال لا تخرج عن باعثين:

الأول: المكر وقصد تشويه الإسلام والزعم بأنه نظام ديني مثل النصرانية المحرفة لا علاقة له بحكم الناس وحياتهم، وذلك حتى يسوقوا على المسلمين علمانيتهم التي مبناها على إقصاء الدين وعزله عن الحياة، والفصل التام بين السياسة والدين.

والثاني: الجهل المطبق بالشريعة الإسلامية وعدم الرجوع إلى مصادرها ولو رجعوا إلى المصادر الشرعية في الكتاب والسنة وتراث الفقهاء المسلمين لوجدوا أن هذه المسألة كغيرها من المسائل التي جاءت واضحة في الشريعة فالإسلام نظام كامل وشامل لكل حياة المسلمين وجوانبها المختلفة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].

ويقول تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].

ويقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

وإتمام الدين أن لا ينقص فيه جانب مهم مثل كيفية نصب الحاكم والأحكام المختصة به.

وكيف لا يكون هذا الدين كاملاً لكل أمور الحياة وقد قال أبو ذر: لقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وذكر لنا منه علماً (1).

والدين الذي علم أتباعه كيفية قضاء الحاجة (2) كيف يغيب فيه جانب هام هو كيفية نصب الحاكم! وبماذا يحكم؟ وإذا رجعنا إلى التراث الفقهي لعلماء الإسلام نجد كتب الأحكام السلطانية، والسياسة الشرعية تشغل جانباً كبيراً وتخصصاً قائماً ذاته توضح هذا الجانب، وتذكر شروط اختيار الخليفة، وكيفية نصبه، وواجباته، وحقوقه، وحقوق الرعية، ومتى يعزل، وما الحكم إذا بغى عليه باغ (3)؟

ويمكن الرد على المزاعم السابقة من أقوال بعض الغربيين أنفسهم حيث نرى أن كلام الغربيين له مكانة كبيرة في نفوس بعض الباحثين ويحتفلون به ويفرحون. يقول توماس أرنولد ـ معلقاً على الترحيب الحار الذي لقيه محمد في المدينة أن الدخول في الإسلام، قد بدا للطبقة المستنيرة من أهالي المدينة علاجاً لهذه الفوضى التي كان المجتمع يقاسيها، وذلك لما وجدوه في الإسلام من تنظيم محكم للحياة، وإخضاع أهواء الناس الجامحة لقوانين منظمة قد شرعتها سلطة تسمو

(1) الإمام أحمد، المسند 5/ 153.

(2) في صحيح مسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة 1/ 223: أن بعض المشركين قالوا لسلمان الفارسي: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. فقال: أجل.

(3) راجع على سبيل المثال الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي، ولأبي يعلى الحنبلي، والغياثي لإمام الحرمين الجويني، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرها.

بيعة ثقيفة بني ساعدة في كتابات المحدثين · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بيعة ثقيفة بني ساعدة في كتابات المحدثينص ١٠