القول الثاني: أن الاستنجاء باليمين مكروه، وهو قول الحنفية (1)، والمالكية (2)، والشافعية (3)، وهو المذهب عند الحنابلة (4).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1 - الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الاستنجاء باليمين، ومن هذه الأحاديث حديث أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَاخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ» (5)، وما ورد عن سَلْمَانَ - رضي الله عنه - أنه قِيلَ لَهُ: " قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ؛ حَتَّى الْخِرَاءة! " فَقَالَ: "أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ ". (6)
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ؛ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ» وَكَانَ يَامُرُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ (7).
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النهي فيها صريح صحيح، لا صارف له، والنهي عند عدم الصارف يقتضي التحريم (8).
••المناقشة:
نوقش الاستدلال بهذه الأحاديث: بأن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما للتنزيه، والصارف له حديث طَلْقِ (9) بْنِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ جَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاةِ؟ " قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلا بَضْعَةٌ مِنْكَ» (10)، فقوله: «وَهَلْ هُوَ إِلا بَضْعَةٌ مِنْكَ» يدل
(1) انظر: الجوهرة النيرة: (1/ 40)، والفتاوى الهندية: (1/ 50)، وقال بعض الحنفية: هي كراهة تحريم، انظر: رد المحتار: (1/ 340).
(2) انظر: مواهب الجليل: (1/ 290)، ومنح الجليل: (1/ 97).
(3) انظر: انظر: المجموع شرح المهذب: (2/ 126)، وروض الطالب: (1/ 53).
(4) انظر: الفروع: (1/ 124)، ومطالب أولي النهى: (1/ 69).
(5) أخرجه البخاري في الوضوء، باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، (1/ 69) حديث رقم: (153)، ومسلم في الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين، (1/ 225) حديث رقم: (267).
(6) سبق تخريجه: ص/.
(7) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (1/ 3)، رقم: (8)، والنسائي في الطهارة (1/ 38)، رقم: (40)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (1/ 114)، رقم: (313)، وأحمد في المسند: (2/ 247)، والدارمي في الطهارة (1/ 182)، رقم: (674)، وابن حبان في صحيحه: (4/ 288)، والحميدي في مسنده: (2/ 434)، والبيهقي في السنن الكبرى: (1/ 91)،.وصححه النووي في المجموع: (2/ 125).
(8) انظر: سبل السلام: (1/ 77)، ونيل الأوطار: (1/ 97).
(9) هو: طلق بن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو الحنفي السحيمي، أبو علي اليمامي، صحابي جليل، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه ابنه قيس وغيره.
انظر: معجم الصحابة: (2/ 40)، والإصابة: (3/ 538).
(10) أخرجه أبوداود في الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، (1/ 46) رقم: (182)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر، (1/ 131) رقم: (85)، والنسائي في الطهارة، باب: ترك الوضوء من ذلك، (1/ 101) رقم: (165)، وابن ماجه في الطهارة، باب: الرخصة في ذلك، (1/ 163) رقم: (483)، وأحمد في المسند: (4/ 22)، والدار قطني في سننه: (1/ 149)، وابن الجارود في المنتقى: (2/ 18)، وابن حبان في صحيحه: (3/ 403)، والطبراني في الكبير: (8/ 330)، وابن الجعد في مسنده: (ص/477)، قال ابن حجر في الفتح: (1/ 254) " وهو صحيح أو حسن ".