وأجيب عن هذه المناقشة بأن شهر رمضان بين هلالين (أي ليس بين عدة أهلة حتى يقال بتعدد المطالع) فالأصل العام أن الأقطار الإسلامية يجب أن يعمل بعضها بخبر بعض وشهادته، إذا نقل إليها بطريق مأمون موثوق به، في حق الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، والتفرقة تحكم، وليس ثمة من دليل يوجب تخصيص الرؤية من هذا الأصل إلا حديث كريب الذي ذُكر (وستأتي مناقشته في المطلب الثاني).
فالعبرة إذن بانعقاد الشهر، وهو يثبت برؤية هلاله، لا بتعدد مطالعه؛ إذ الشهر بين هلالين: هلال أول ليلة من رمضان، وهلال أول ليلة من شوال، وليس بين مجموعة من الأهلة في مطالع متعددة، فولادة الشهر لا تتعد (1).
الفرع الثاني
مناقشة أدلة القائلين باعتبار اختلاف المطالع:
نوقش حديث كُريب الذي استدلوا به بالمناقشات الآتية:
1 - الحجة في حديث كريب: هو قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هكذا أمرنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فهو لا يريد بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عنده عن الرسول "صلى الله عليه وسلم" حديثاً خاصاً بهذه المسألة يدل، على عدم الصيام، بل مراده بذلك الأحاديث الآمرة بالصيام لرؤية الهلال، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" وقد سبق أن أشرت إلى أن هذا الحديث لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فهذا اجتهاد صحابي، إذا كان هذا اجتهاداً
(1) نيل الأوطار للشوكاني (4/ 218 وما بعدها) بتصرف.