فيقضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد.
ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى اختلاف الفقهاء في مسألة اختلاف المطالع: اختلافهم في فهم النص، وسلوك كل منهم طريقاً في الاستدلال به، كقوله "صلى الله عليه وسلم": "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (1)، كما سنبيّن ذلك فيما بعد.
وبالإضافة إلى الأسباب السابقة، بل جلّها ينبئ عن اختلاف الفقهاء في هذه المسالة، بسبب تباين قدراتهم على استيعاب العلوم الفلكية الصحيحة في عصورهم، وما عسى أن يكون له صلة بالأمر من النصوص التشريعية وفق ذلك، ولا غرو في ذلك، فجوهر هذا الموضوع عملي علمي قبل أن يكون موضوعاً فقهياً اجتهادياً (2).
المطلب الثاني
الأدلة ووجوه الاستدلال بها
الفرع الأول
أدلة القائلين بأنه لا عبرة باختلاف
لمطالع ووجوه استدلالهم بها
أولاً: أدلتهم من القرآن الكريم
استدلوا بقول الله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (3).
وجه الاستدلال من الآية الكريمة:
اتفق المسلمون على معنى الآية في اعتبار رؤية الهلال سبباً في إيجاب صوم رمضان، فدل ذلك على أن رؤية الهلال هي شهود الشهر (4). يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: ("شهد" بمعنى حضر، وفيه إضمار، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلاً بالغاً صحيحاً مقيماً فليصمه) (5). فحاصل الاستدلال عنده أن العبرة بثبوت الشهر نفسه من أي مطلع كان، وذلك لأن الشارع أناط عموم الحكم - وهو وجوب الصوم - بثبوت الشهر نفسه، بشرط العلم به وأن يكون المكلف مقيماً في بلده بين أهله، فعليه أن يصوم متى كان صحيحاً معافىً، يقول ابن العربي في كتابه أحكام القرآن: "لا خلاف أنه يصومه من رآه، فأمّا من أخبر به فيلزمه الصوم؛ لأن رؤيته قد تكون لمحة، فلو وقف صوم كل واحد على رؤيته لكان ذلك سبباً لإسقاطه؛ إذ لا يمكن كل أحد أنه يراه وقت طلوعه، وإن وقت الصلاة الذي يشترك في دركه
(1) نيل الأوطار للشوكاني (4/ 266).
(2) تحديد أوائل الشهور القمرية (رؤية علمية شرعية) للدكتور مصطفى عبد الباسط أحمد، (ص 91) وما بعدها، الأكاديمية الإسلامية للبحث العلمي (2003).
(3) سورة البقرة، من الآية 185.
(4) أحكام القرآن للجصاص، 1/ 249.
(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/ 299.