... كما أنه لا يجوز أن نُحمِّل السلف –أهل السنة والجماعة- مقولات الأشاعرة فيما ابتدعوه من علم الكلام والفلسفة، وإنه لمن الإجحاف والتجنى أن ننسب تلك المقولات للصحابة والتابعين وأئمة الهدى فى القرون الفاضلة، وهذه المقولات هى الغالبة فى معتقدات الأشاعرة كما أشرت فى الفصل السابق.
... أما أهل السنة فهم الذين لم يحيدوا ولم يزيدوا على مذهب السلف حتى اليوم، فالذى ينتمى وينتسب لأهل السنة يلزمه أن يعتقد ما اعتقدوه فى هذه الأصول، وأن يَتبِع ما قالوه أو قرَّرُوه، لا أن يقول ويعتقد حسب قواعده العقلية الكلامية والفلسفية، ثم ينسب قوله وعقيدته إلى السلف، كما فعل كثير من نظار الأشاعرة.
... وإذا عرضنا الكثير من معتقدات الأشاعرة على ما أثر ونقل على السلف فى القرون الفاضلة؛ وجدنا البون بينهما شاسعاً، ووجدنا أنهم –أى الأشاعرة- ابتدعوا وأحدثوا من المقولات ما كان ينهى عنه السلف من الكلام فى الصفات والغيبيات بالظنون والمبتدعات الكلامية، وقد عرضت شواهد لذلك (1) .
... ومن الحق والإنصاف أن نقول: إن الأشاعرة –فى العموم- هم أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة، وأن منهم من هو إلى السنة أقرب من سائرهم، وأن من الأشاعرة وممن انتسب إليهم: أئمة فى الحديث، وعلماء أجلاء فى التفسير، والفقه والعربية وغيرها، ممن لهم قدره وفضلهم فى العلم والدين، بل إنه من الملاحظ أن أئمة الحديث ممن انتسب أو نُسِبَ إلى الأشاعرة؛ تجدهم من أهل السنة فى جملة الاعتقاد، وتحتاج نسبتهم إلى الأشاعرة إلى شئ من التثبت والتحقيق، من أمثال: البيهقى، والخطابى، والقاضى عياض، وابن عساكر، والنووى، وابن حجر العسقلانى.
... ونحوهم من أئمة السنة والحديث، إذ هم إلى أهل الحديث أقرب منهم إلى المتكلمين.
(1) ... انظر ص (70، 71) من كتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الأشاعرة والحركات الإسلامية المعاصرة منها".