... وكذلك أنه قرر معتقدات السنة فى كتبه الأخرى الأخيرة مثل (اللمع) و(رسالة إلى أهل الثغر) و(مقالات الإسلاميين) هذا فى الجملة؛ لكنه عند التفصيل بقيت عنده بعض الشوائب الكلامية التى تابع فيها ابن كلاَّب أو انفرد بها، مثل: القول بأن أفعال الله لا تتعلق بمشيئته، ومنها الكلام، وأن الكلام هو الكلام النفسى، وأن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله، والقول بالكسب (1) ، ومشروعية علم الكلام، ونحو ذلك.
... وعلى هذا استقر مذهبه الثانى: النقلة من الاعتزال إلى طريقة ابن كلاَّب الكلامية، وبقى مذهباً يحتذى إلى اليوم؛ لأنه يشبع رغبات الفلاسفة والمتكلمين وأهل التأويل.
... لكنهم –أى متكلمة الأشاعرة- توسعوا فى التأويلات والمناهج الكلامية والفلسفية، وتقوّلوا على الأشعرى ما لم يكن يقول به؛ بل كان يتبرأ من أصولهم، كتأويل الصفات الخبرية، وردهم خبر الآحاد، وتقديمهم العقل على النقل ونحو ذلك.
... فالأشاعرة تنتسب إلى الإمام أبى الحسن انتحالاً مما قرر وكتب خلافه فى "الإبانة" و"اللمع" و"رسالة أهل الثغر" و"المقالات"، إلا أن الأشاعرة لا يزالون يُحمِّلونه تبعتهم.
... هذا عن نشأة مذهبهم: فالأشاعرة مذهب طارئ ملفق بين أهل السنة وأهل الكلام، لذلك صاروا أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة.
... ومن جانب آخر: فالأشعرية مرت بأطوار تاريخية، فى كل طور تزداد الشقة بينهم وبين أهل السنة، لا سيما بعد ما أدخل فيها زعماؤهم اللاحقون تلك الأسس والمعتقدات الدخيلة من: الفلسفة، والتصوف، والمنطق، والكلام، والجدل، حتى صارت عقيدة الأشاعرة مزيجاً من تلك الأخلاط.
(1) ... المقصود بالقول بالكسب هو ما يدعيه الأشاعرة من أن العبد غير مستطيع قبل الفعل ولا بعده، إنما تحصل له الاستطاعة كسباً أثناء الفعل، وهذا خلاف مذهب السلف الذين يقولون باستطاعة العبد فيما يقدر عليه قبل الفعل وبعده بمشيئة الله تعالى.