... وهذا هو المبتدع، وعليه نبَّه الحديث الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم، اتَّخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (1) .
... قال بعض العلماء: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قِبَلِ أنه إذا مات علماؤهم، أفتى من ليس بعالم، فيُؤتَى الناس من قِبَلِهِ، وقد صرِّف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين، فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استُفْتِىَ من ليس بعالم، فضلَّ وأضلَّ.
... قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوماً بكاء شديداً، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا! ولكن استُفْتِىَ مَن لا علم عنده.
... والثانى من أسباب الخلاف: اتباع الهوى:
... ولذلك سُمِىَ أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم اتَّبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك.
... وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم، ويدخل فى غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلباً للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا حسبما ذكره العلماء ونقله الثقات من مصاحبى السلاطين.
(1) ... أخرجه مسلم فى "صحيحه" (2673) (13) فى العلم: باب رفع العلم وقبضه.