... والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:
... أ: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة، لقوله: ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ﴾ (1)، فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، ومرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، وإلا كان قسم الشئ قسيماً له، ولم يستقم معنى الاستثناء.
... ب: أنه قال فيها: ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ (1)، فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم، حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافى الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم فى مسألة، فإنما يخالف فيها تحرياً لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها، راجع نفسه، وتلافى أمره، فخلافه فى المسألة بالعَرَض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازماً ولا ثابتاً، فكان التعبير عنه بالفعل الذى يقتضى العلاج والانقطاع أليق فى الموضع.
... جـ: أنَّا نقطع بأن الخلاف فى مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضى الله عنهم، بحيث لا يصح إدخالهم فى قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم فى بعض المسائل معدوداً من أهل الاختلاف –ولو بوجه ما-، لم يصح إطلاق القول فى حقه: إنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة.
... د: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة فى الفروع ضرباً من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجاً من قسم أهل الرحمة.
... فاختلافهم فى الفروع كاتفاقهم فيه.
... والثالث: وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهى أن يقع الاتفاق فى أصل الدين، ويقع الاختلاف فى بعض قواعده الكلية، وهو المؤدى إلى التفرُّق شيعاً.