تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... إلى أن بعث الله الأنبياء مبيِّنين لأممهم حقَّ ما اختلفوا (فيه) من باطله، فعرَّفوا بالحق على ما ينبغى، ونزَّهوا ربَّ الأرباب عما لا يليق بجلاله، من نسبة الشركاء والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقرَّ بذلك من أقرَّ به، وهم الداخلون تحت مقتضى قوله: ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ (1) ، وأنكر من أنكر، فصار إلى مقتضى قوله: ﴿ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين ﴾ (2) .

... وإنما دخل الأولون تحت وصف الرحمة، لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق والألفة، وهو قوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ (3) ، وهو منقول عن جماعة من المفسرين.

... وبقى الآخرون على وصف الاختلاف، إذ خالفوا الحق الصريح، ونبذوا الدين الصحيح.

... والثانى: ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثانى لا بالقصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة فى إمكان الاختلاف، لكن فى الفروع دون الأصول، وفى الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.

... يعنى: أنه فى مسائل الاجتهاد التى لا نص فيها يقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، مع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يرجع إليه، وهو قول تعالى: ﴿ فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول... ﴾ الآية (4) ، فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يردَّ إلى الله، وذلك ردُّه إلى كتابه، وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك ردُّه إليه إذا كان حياً، وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضى الله عنهم.

... إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ ولا يزالون مختلفين ﴾ (5) أم لا؟

(1) ... هود: 119.

(2) ... هود: 119.

(3) ... آل عمران: 103.

(4) ... النساء: 59.

(5) ... هود: 118.

أصول وتاريخ الفرق الإسلامية · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول وتاريخ الفرق الإسلاميةص ٣٣