... وليس المراد ها هنا الاختلاف فى الصور، كالحسن والقبيح، ولا فى الألوان، كالأحمر والأسود، ولا فى أصل الخلقة، كالتام الخَلْقِ والناقص الخَلْقِ، ولا فى الخُلُق، كالشجاع والجبان، ولا فيما أشبه ذلك من الأوصاف التى هم مختلفون فيها.
... وإنما المراد اختلاف آخر، وهو الاختلاف الذى بعث الله النبيين ليحكموا فيه بين المختلفين، كما قال تعالى: ﴿ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ... ﴾ الآية (1) ، وذلك الاختلاف فى الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى فى الدنيا والآخرة.
... هذا هو المراد من الآيات التى ذكر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق: أن هذا الاختلاف الواقع بينهم على أوجه:
... أحدها: الاختلاف فى أصل النحلة: وهو قول جماعة من المفسرين، منهم عطاء، قال: ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ (2) ، قال: اليهود والنصارى والمجوس والحنفية، وهم الذين رحم ربك.
... وأصل هذا الاختلاف هو فى التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس فى عامة الأمر لم يختلفوا فى أن لهم مدبَّراً يدبَّرهم وخالقاً أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا فى تعيينه على آراء مختلفة، من قائل بالاثنين، وبالخمسة، أو بالطبيعة، أو بالدهر، أو بالكواكب ... إلى أن قالوا بالآدميين والشجر والحجارة وما ينحتونه بأيديهم، ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق، لكن على آراء مختلفة أيضاً.
(1) ... البقرة: 213.
(2) ... هود: 119.