ولا يزال أهل العلم قديما وحديثاً ينصُّون عليها في عقائدهم، ويبيّنونها في مصنّفاتهم لا يُعرف في ذلك مخالف على مدى هذه القرون المتعاقبة». (1)
وقال كذلك في بحث آخر: «فمن امتنع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام، وتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله، وشرع للناس من الأحكام ما لم يأذن به الله فإنّه يكون مستجيزاً مخالفة حكم الله، مستحلاًّ للحكم بغير ما أنزل الله، وتكفيره معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.
ولا شكّ أنّ من أقدم على نقض أحكام الله وتبديل شرائعه، وأحلّ أهواء البشر محلّها طائعاً مختاراً، وسنّ للأمّة بذلك نظماً ثابتة، وأزلمها بالحكم بها والتحاكم إليها فإنّه مشرك بالله العظيم كافر بربوبيّته وألوهيّته». (2)
• الشيخ علي عبدالله الطنطاوي رحمه الله تعالى
قال في ردّه على أحد القوانين الوضعيّة المتعلّقة بالزواج: «وبادئ ذي بدء نقرّر بأنّ هذا النص يتناقض تماماً مع أحكام الشريعة الإسلاميّة، ذلك أنّ النص أوقف آثار الطلاق على علم الزوجة به، وحدّد هذا العلم بحضورها إيقاعه أمام المأذون أو إعلانها به على يد محضر في حين أنّ الطلاق شرعاً يقع بمجرّد صدور ألفاظه وينتج كافّة آثاره ويترتّب على ذلك أنّه لو طلّق الزوج زوجته في حضورها وليس أمام الموثق وتجنّبها خلال فترة العدّة فإنّها تصبح شرعاً أجنبيّة عنه محرّمة عليه بينما يعتبر القانون علاقة الزوجيّة ما زالت قائمة وبالتالي يُحِلُّ الزوجة لمطلّقها ويضحي المشرّع الوضعيّ قد حرّم ما أحلّه الله وحلّل ما حرّمه الله إذ لو أرادت الزوجة في هذه الحالة أن تتزوّج غير مطلّقها حلّ لها ذلك شرعاً وحرم عليها قانوناً فلو عقدت زواجها على أحد عوقبت والزوج الجديد بعقوبتي التزوير والزنا.
وفضلاً عن أنّ هذا النصّ يحلّ حراماً ويحرّم حلالاً فإنّ مساوئه تمتدّ ثانياً إلى العلاقات الماليّة في الجانب الأُسَري، فلو مات أيٌّ من الزوجين قبل إعلان الزوج زوجته بوثيقة الطلاق فإنّ الآخر يرث فيه قانوناً في الوقت الذي لا يحقّ له الإرث فيه شرعاً.
ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، وإنّما يتعدّاه ثالثاً إلى النسب، فلو حملت المطلّقة في هذه الفترة سفاحاً نسب الولد إلى المطلّق قانوناً وهو منه براء شرعاً، وأخيراً يفتح القانون لصغار النفوس مدخلاً قويّاً للكيد واللجج في الخصومة إذ يستطيع الزوج أن يترك مطلّقته معلّقة لا هي زوجة ولا مطلّقة قانوناً». (3)
(1) "تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين" للصاوي ص31.
(2) أنظر كتابه: فاعلم أنّه لا إله إلاّ الله، صـ68 - 69.
(3) الأسرة بين الشرع والقانون، صـ92.