القسم الأوّل: تفسير بعض الآيات القرآنية المتعلّقة بالحكم والتحاكم
قبل أن نشرع في سرد أقوال وفتاوى علماء أهل السنّة القدامى ومن سار على دربهم من العلماء والدعاة المعاصرين، لا بدّ أن نذكر بعضاً من الآيات التي جاءت صريحة بكفر من لم يحكم بما أنزل الله، والتي هي عمدة العلماء -قديماً وحديثاً- والتي ارتكزوا عليها في فتاويهم وأقوالهم.
قال تعالى: ﴿ألم ترَ إلى الذين أُتوا نصيباً مِنَ الكتابِ يُدعَوْنَ إلى كتابِ الله ليحكُمَ بينهم ثُمّ يَتولّى فَريقٌ مِنهم وهُم مُعرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23] يقول الشهيد -نحسبه كذلك- سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: « ... هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يُعرض بعضهم (لا كلهم) عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة، فكيف بمن يقولون إنهم مسلمون ثم يُخرجون شريعة الله من حياتهم كلها ثم يظلون يَزعمون أنهم مسلمون؟ إنه مَثلٌ يضربه الله للمسلمين أيضاً كي يَعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ويحذروا أن يكونوا موضعاً لتعجيب الله وتشهيره بهم، فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدَّعوا الإسلام حين يُعرِضُ فريقٌ منهم عن التحاكم إلى كتاب الله، فكيف يكون الاستنكار إذا كان «المسلمون» هم الذين يُعرضونَ هذا الإعراض؟ إنه العجب الذي لا ينقضي والبلاء الذي لا يُقَدر والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله، والعياذ بالله». (1)
قال تعالى: ﴿فلا وربِّكَ لا يُؤمِنونَ حتى يُحكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بينهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أنفسهِم حَرَجاً مِمَّا قضَيتَ ويُسلّموا تَسليماً﴾ [النساء: 65] يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «يُقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور فما حَكَمَ به فهو الحقّ الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ... أي إذا حكّموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكَمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيُسلمون لذلك تسليماً كُلّياً من غير مُمانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"». (2) نقول: وهل هناك منازعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكبر من منازعة هؤلاء الحكام المرتدين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ لقد نازعوه في كل شيء: في السياسة والمعاملات، وفي الحدود والتحليل والتحريم، حتى وصل بهم الأمر أن نازعوه في الصلاة، فخُطبَتي الجمعة اللتين هما بمثابة الركعتين من صلاة الظهر قد خصصهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإرشاد الناس إلى الخير، أمّا حكّام اليوم فقد جعلوا هاتين الخطبتين لهم وحدهم من دون الله تعالى، ففرضوا على
(1) المصدر السابق، جـ1/صـ 382.
(2) تفسير القرآن العظيم جـ1 صـ 532.