تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن من قرأ نص كلام القاسمي جيداً في تفسيره وما نقله عن الإمام ابن العربي، وابن القيم، وابن تيمية في نفس الموضع، وفهم ما سبق أن تقرر من قواعد في هذا البحث عن أقسام الجهل من حيث موضوعه، لتعرف بسهولة على وجه هذا القول كما سنبينها بمشيئة الله تعالى.

فقد نبه القاسمي في أول "التنبيه" الذي سرده أنه لا يريد بكلامه الشرك الأكبر المخرج عن الملة، بل هو يتحدث عن المعاصي التي يطلق عليها شركاً من باب التغليظ، واستشهد بكلام الإمام البخاري فقال:

(حيثما وقع في حديث: من فعل كذا فقد أشرك أو فقد كفر –لا يراد به الكفر المخرج عن الملة، والشرك الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام الردة، والعياذ بالله تعالى، وقد قال البخاري: باب كفران العشر وكفر دون كفر. قال القاضي أبو بكر بن العربي في (شرحه): مراده أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيماناُ، كذلك المعاصي تسمى كفراً. لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد به الكفر المخرج عن الملة. فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً .. ) إلى آخر النص المنقول آنفاً.

فسبحان الله، أليس من الواضح البين أنه إنما يتحدث عن المعاصي التي تسمى شركاً أو كفراً من باب التغليظ، ولا يتحدث عما هو شرك أكبر يخرج عن الملة، كدعاء غير الله دعاء عبادة أو السجود لصنم مثلاً؟!.

وكذلك ما نقله القاسمي عن الإمام ابن القيم في نفس الموضع، فواضح فيه تماماً أنه يتحدث عن أصحاب الفرق وأهل البدع من الموافقين على التوحيد أو أصل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول الكلية.

يقول القاسمي: (وقال ابن القيم في طرق أهل البدع: الموافقون على أصل الإسلام ولكنهم مختلفون في بعض الأصول. كالخوارج، والمعتزلة، والقدرية، والرافضة، والجهمية، وغلاة المرجئة –فهؤلاء أقسام: أحدها –الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له. فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى .. ) ا. هـ.

فها هو ابن القيم يصرح أن يتحدث عن "اهل البدع الموافقون على أصل الإسلام" ولكنهم خالفوا في بعض الأصول، وقد سبق أن أوضحنا أنها من الأصول الاعتقادية أو الشرعية التي لا يكفر جاهلها أو منكرها –عند بعض أهل السنة- إلا بعد البلاغ وإقامة الحجة: كالمعتزلة مثلاً الذين خالفوا في إثبات الشفاعة والصراط والميزان، أو أثبتوا إرادة الله في خلق أفعاله، وغير ذلك من المقالات الخفية التي قد تخفى على العامة، والتي اختلف أهل السنة في كفر قائلها.

وأما عن قول ابن القيم بعد هذا عن رؤوس البدع ودعاتها: ( .. الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى، ويترك تعصباً أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقاً وتكفيره محل اجتهاد) ا. هـ.

فهذا هو الحق الذي ذكره كذلك الإمام الشاطبي فيمن خالف في أصل من الأصول الكلية، فذكر أن تكفيره اجتهاد وخلاف بين الأئمة، وكان ذلك أثناء مناقشته لقضية تكفير أهل الفرق والابتداع.

وإليك بعض النقول التي أوردها القاسمي نفسه، وفي نفس الموضع، والتي تدل على أن القضية المطروحة هي كما ذكرنا قضية الخلاف في تكفير المتأولين وأصحاب الأهواء والبدع من الاثنتين والسبعين فرقة.

يقول الإمام ابن تيمية: (من كان في قلبه الإيمان بالرسول وبما جاء به، وقد غلط في بعض تأويله من البدع ولو دعا إليها، فهذا ليس بكافر أصلاً) ا. هـ.

ثم شرع يناقش قضية تكفير الخوارج وغيرهم من الفرق.

ويقول ابن تيمية أيضاً: (التكفير إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها) ا. هـ.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين · الصفحة ٢٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعينص ٢٣٦