الفصل الثاني تأثير عارض الجهل على التوحيد
أصل الدين هو معرفة الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له.
وهذا لا عذر فيه بالجهل، سواء وجدت مظنة العلم –كدار الإسلام- أم لم توجد –كدار الحرب- وسواء ثبتت إقامة الحجة أم لم تثبت. ويجب اعتبار الجاهل فيه كافراً في ظاهر الأمر.
وهذا القدر متفق عليه بين الأئمة:
1 - قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
قال صلى الله عليه وسلم: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي".
وقال ابن عباس: (إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم ميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة –وفي رواية على هذه الملة- فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه".
وقال صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم".
وعن أبي بن كعب: (قال الله: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً).
يقول الإمام ابن كثير: (وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد).
ويقول: (إن المراد بهذا أن يجعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك).
ويقول: (وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد) ا. هـ.
ويقول الإمام البغوي: (يقول إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون إنما أشرك آباؤنا نم قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم أي كنا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم وتقولوا .. (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ). أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين؟ فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد.
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي نبين الآيات ليتدبرها العباد (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) من الكفر إلى التوحيد) ا. هـ.
ويقول ابن كثير: (ولهذا قال –أن يقولوا- أي لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أي عن التوحيد غافلين) ا. هـ.
ويقول ابن كثير: (يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه) ا. هـ.
ويقول القرطبي: قوله (شَهِدْنَا) أي من قول بني آدم، والمعنى شهدنا أنك ربنا وإلهنا).
ويقول أيضاً: (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) بمعنى لست تفعل هذا، ولا عذر للمقلد في التوحيد) ا. هـ.