ومن الحوادث المشهورة في التاريخ الإسلامي حادثة قدامة بن مظعون مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين، وكان ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكراً، وإني إذا رأيت حداً من حدود الله حق عليّ أن أرفعه إليك .. فشهد عليه أبو هريرة والجارود وامرأته هند بنت الوليد، فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك. فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولِمَ يا قدامة؟ قال: إن الله عز وجل قال: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .. ) الآية، فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله، ثم جلده) ا. هـ.
وهذا الحادث وإن كان منصباً على الخطأ في التأويل، فهو بوجه من الوجوه يدل على أن الحكم الصحيح في المسألة كان خافياً على قدامة فلم يعرفه، وأداه سوء تأويله إلى هذا الاجتهاد الذي لم يقبل منه، وذلك لوجود مظنة العلم –ولو بسؤال أهل الذكر كعمر وعلي وابن عباس وغيرهم- وهذا كله راجع إلى القاعدة العامة وهي سقوط العذر بالجهل في وجود مظنة العلم.
فإن قامت الحجة على جاهل هذه الأمور:
* سواء الجاهل بها حيثما تتوفر مظنة العلم "الآثم الغير المعذور".
* أم الجاهل بها حيث لا تتوفر مظنة العلم "المعذور الغير الآثم" كدار الحرب أو الناشئ في بادية بعيداً عن المسلمين مثلاً.
فأنكر أياً منها بعد بيان الحجة والإعلام بالدليل، كان كافراً بلا خلاف.
والمدار في كفر منكرها بعد العلم بها هو أن منكرها إنما ينكر ما ثبت بصورة قطعية.
فالأخبار ينظر إليها عامة من وجهين:
(أ) الثبوت: وهي إما قطعية وإما ظنية.
(ب) الدلالة: وهي إما قطعية وإما ظنية.
* فمنها قطعي الثبوت قطعي الدلالة: وهو الذي لا شك في صحة سنده، ولا يتحمل وجهاً آخر لمعناه .. مثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
* ومنها قطعي الثبوت ظني الدلالة: وهو ما لا شك في صحة سنده، ولكن معناه يحتمل أوجهاً متعددة .. مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ).
* ومنها ظني الثبوت قطعي الدلالة: مثل الأخبار التي ثبتت بخبر الواحد ولكن معناها واضح بين لا تأويل له. كخبر التعديل في حديث المسيء صلاته لأنه عليه الصلاة والسلام أمر الأعرابي بالإعادة ثلاثاً فقال له كل مرة: ارجع فصل فإنك لم تصل ثم علمه الصلاة.
* ومنها ظني الثبوت ظني الدلالة: مثل معظم أحاديث الآحاد في فروع الشريعة، والتي تحتمل التخصيص أو التقييد كخبر الترتيب في الوضوء، لأنه معارض بما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه نسي مسح الرأس في الوضوء، فتذكر بعد فراغه فمسحه.
فالأول من هذه الطرق –أي قطعي الثبوت قطعي الدلالة- هو الذي يكفر منكره بلا خلاف.
وكذلك القواعد القطعية في أصول الشريعة التي ثبتت قطعيتها بالنص أو بالاستقراء الكلي للنصوص، وكل ما هو في مقام القطعية مثلها، كالمعلوم من الدين بالضرورة من مسائل الفروع مثل تحريم الخمر والزنا، ووجوب الصوم والحج والزكاة.
وقد حكى البغدادي –في صدد شرحه لعقيدة أهل السنة- إجماعهم على كفر من أنكر حجية المتواتر من الأخبار فقال: "وأكفروا من أنكر من السمنية وقوع العلم من جهة التواتر".
وقال: "الفضيحة السادسة عشرة من فضائحه –يقصد النظام- قوله بأن الخبر المتواتر مع خروج ناقلية عند سامع الخبر عن الحصر مع اختلاف همم ناقليه واختلاف دواعيهم يجوز أن يقع كذباً).
ويقول: (كذلك كفروا النظام في إنكاره حجية الإجماع).