يقول الإمام الشاطبي: ( .. ونظيره مسألة أهل الفترات العاملين تبعاً لآبائهم، واستنامة لما عليه أهل عصرهم من عبادة غير الله وما أشبه ذلك، لأن العلماء يقولون في حكمهم إنهم على قسمين:
* قسم غابت عليه الشريعة، ولم يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى، فوقف عن العمل بكل ما يتوهمه العقل أن يقرب إلى الله، ورأى ما أهل عصره عاملون به مما ليس لهم فيه مستند إلا استحسانهم، فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه، وهؤلاء هم الداخلون الجنة حقيقة تحت عموم الآية الكريمة: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).
* وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله، والتحريم والتحليل بالرأي، فوافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل، فهؤلاء نص العلماء على أنهم غير معذورين، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة، لأنهم رافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة، فصاروا من أهلها .. ) ا. هـ.
ويزيد الإمام ابن القيم الأمر إيضاحاً فيقول –في معرض كلامه عن "كفر الجهل والاتباع" ما نصه: (وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لم يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان أيضاً:
* أحدهما: مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة.
* والثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.
فالأول يقول: يا رب، لو أعلم ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه؛ ولكني لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر عليه، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي.
والثاني: راض بما هو عليه، لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته. وكلاهما عاجز: فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزاً وجهلاً. والثاني: كما لم يطلبه، بل مات على شركه، ولو كان طلبه لعجز عنه. ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض) ا. هـ.
ويجب أن نلاحظ أخيراً، أن كل ما نقلناه من خلاف بين العلماء في هذا الفصل، إنما هو في أحكام الآخرة فقط، أي في مآل الجهل يوم القيامة في أحكام الثواب والعقاب عند الله سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة لأحكام الدنيا فلا خلاف بين العلماء في اعتباره كافراً في ظاهر أمره، وذلك لجريان الأحكام في الدنيا على هذا الأساس.
يقول الإمام ابن القيم: (والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، أما كون زيد بعينه أو عمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد:
* أن كل من دان بدين غير الإسلام فهو كافر.
* وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى الله، وهذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر .. ) ا. هـ.
فهذا نص للإمام ابن القيم هو فصل الخطاب في موضوعنا، فنحن كمسلمين أولاً، وكدعاة إلى دين الله ثانياً، لا نتكلم عن أحكام الثواب والعقاب، فهذا أمر موكول إلى الله سبحانه وتعالى وحده أولاً وآخراً، ولكننا نتحدث عن الإسلام والكفر باعتبارهما حكمين شرعيين تعبدنا الله بهما في أحكام الدنيا.
فيجب التمييز جيداً بين المقامين: مقام الظاهر، ومقام الحقيقة، مقام أحكام الدنيا، ومقام أحكام الآخرة من ثواب وعقاب.