ويقول: (والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، بل إن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار بالرسل، فمن ذلك قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، فإنه قال فيها: جتى نبعث رسولاً، ولم يقل حتى نخلق عقولاً، وننصب أدلة، ونركز فطرة) ا. هـ.
ويقول الشنقيطي: (وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير، ولو ماتوا على الكفر.
وبهذا قالت جماعة من أهل العلم، وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولم لم يأته نذير) ا. هـ.
ثانياً: إمكان وجود من لم تبلغه دعوة التوحيد:
"أي في الدنيا بأية صورة من الصور".
1 - فقد ذهب فريق إلى منع وقوع ذلك شرعاً –وإن أجازه عقلاً؛ واستدلوا بعموم ما جاء في القرآن الكريم:
قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ).
قال تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
وقال تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ).
وقال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا).
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث وفد بني المنتفق: " .. ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبياً، فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين".
وهؤلاء منعوا من وجود من أطلق عليهم "أهل الفترة" وهم الذين وجدوا في فترة بين رسولين، أي في زمن انقطاع الوحي، وطول الزمان الذي اندرست فيه الشرائع كلية، وانطمست فيه آثار الرسالة، ولم يصححوا حديث الأربعة الذين يختبرهم الله عز وجل يوم القيامة.
وقد روى الحديث الإمام ابن كثير في تفسيره من عدة أوجه، منها ما جاء عن الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا معاوية بن هشام، ثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً".
يقول القرطبي في تفسير آية الإسراء: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً): (وفي هذا الدليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع، خلال المعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر. والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا، أي أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار.
وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا).
قال ابن عطية: والذي يعطيه النظر أن بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد، وبث المعتقدات في بنيه، مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطرة، توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار.