ويقول: (قوله تعالى: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد (أحدهما) أن لا يدّعوا الغفلة. (والثانية) أن لا يدّعوا التقليد. فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره) ا. هـ.
ويقول ابن القيم: (أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليهم بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أن الله ربهم وخالقهم، وهذا كثير في القرآن) ا. هـ.
ويقول ابن القيم: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) أي مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان) ا. هـ.
2 - روى الإمام مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قلت: "يا رسول الله، إن ابن حدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
وروى الإمام أحمد بسنده حديثاً طويلاً في قدوم وفد بني المنتفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء فيه: "فقلت: يا رسول الله، هل لأحد مما مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار. قال: فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ قال: وأهلي، لعمر الله حيث ما أتيت على قبر عامري أو قرشي أو دوسي، قل: أرسلني إليك محمد، فأبشر بما يسوءك، تجر على وجهك وبطنك في النار، قال: فقلت: يا رسول الله، وما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال صلى الله عليه وسلم: ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبياً، من عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين".
وروى مسلم في صحيحه: عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: "يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. قال: فلما قفّى الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار".
فيتضح من الأحاديث السابقة أن جهل من مضى قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، لم يكن عذراً لهم سواء في الحكم عليهم في الدنيا بظاهر أمرهم، أو في حقيقة أمرهم عند الله تعالى. وذلك بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم في النار.
3 - وروى الإمام أحمد، عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلاً في يده حلقة من صفر. فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً". يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في تعليقه على الحديث: (فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة). ا. هـ.
فإذا كان الرجل لم يعذر بالجهالة في أمر من أمور الشرك الأصغر، فكيف بالشرك الأكبر؟!.
وروى الإمام أحمد أيضاً عن طارق بن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرّب. قال: ليس عندي شيء أقرِّب. قالوا: قرب ولو ذباباً. فقرب ذباباً، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئاً دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة".