تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل ومما يتعين الاعتناء به معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله،

لأن الله سبحانه ذم من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، فقال تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: ومعرفة حدود الأسماء واجبة لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ما أنزل الله على رسوله من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات وبين ما ليس كذلك، وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. أهـ

ففرض على المكلف معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله من أجلها، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر، وتجد كثيراً ممن يشتغل بالعلم لا يعرف حقيقة الشرك الأكبر وإن قال إنه الشرك في العبادة، لقول الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)،

(وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) وقوله صلى الله عليه وسلم: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" فانه لا يعرف حد العبادة وحقيقتها، وربما قال: العبادة التي صرفها لغير الله شرك الصلاة والسجود، مع اعترافه بأن الشرك الذي حرم الله هو الشرك في العبادة، فإذا طلب منه الدليل على أن الله سمى الصلاة لغيره أو السجود لغيره شركاً لم يجده، وربما قال: لأن ذلك خضوع والخضوع لغير الله شرك، فيقال له: تجد في الكتاب أو السنة تسمية هذا الخضوع شركاً؟ فلا يجده. فيلزمه أن يقول لأنه عبادة لغير الله. فيقال: وكذلك الدعاء والذبح والنذر عبادات، مع ما يلزم هذه العبادات من أعمال القلوب من الذل والخضوع والحب والتعظيم والتوكل والخوف والرجاء وغير ذلك.

وفي الحديث (الدعاء مخ العبادة) وقد قرن الله سبحانه بين الصلاة والذبح في قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أي أخلص له صلاتك وذبيحتك، فكما أن الصلاة لغير الله شرك فكذا قرين الصلاة وهو الذبح لغير الله شرك. وقال تعالى ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

ومن العجب قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات: إنهم لا يرجون قضاء حاجاتهم من الميت ونحوه.

فنقول: هذا مكابرة ومغالطة، لأنه من المعلوم عند كل ذي عقل أنهم ما دعوهم وتذللوا وخضعوا لهم وبذلوا أموالهم لهم بالنذر والذبائح إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم وقضاء حاجاتهم من جهتهم، فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت أو الغائب حاجة بأن يقول أعطني كذا وأنا في حبك، ويستغيث به في دفع عدو أو كشف ضر ويتذلل ويخضع له ثم يقول: إنه لا يرجو حصول مطلوبه ودفع مزهوبه من جهته!

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين · الصفحة ١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعينص ١٣