تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد أحل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته الغنائم، وقد غنم الصحابة رضي الله عنهم أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب، وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه ولا تعويل، على أن الكثير من تلك الأموال، التي أخذت على هذا الوجه الحلال، وصارت من جملة بيت المال، قد تركت في أيدي الغاصبين لها حين تبدلت الحال. فلما قام هؤلاء الولاة، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل، لتغلُّب الناس عليها من ظلمة ذلك الجيل، فإن كان "ابن ثنيّان" استولى عليها فقد فاته منها الكثير، وذلك أمر بيّن شهير، وإن كان قد أخذ غير ذلك بتأويل الجهاد، أو ممن يمنع زكاته من أهل تلك البلاد، أسوة أمثاله من الولاة المتقدمين، كالأمويين والعباسيين، وعلى هذا فدعوى أن مجموع ما أخذه كله حرام من جملة الهذيان في الكلام، فإن القول بحلها هو الصواب المقرر في كتب الأحكام، كما نص عليه الصحابة والأئمة بعدهم في جوايز السلطان، فإنها أحب إلى بعضهم من صلاة الإخوان، ولأنها حلال لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الزكاة في المأثور والمنقول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وامتد الضلال في الأرض لأهل الأهواء من اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه الله.

إذا عرف ذلك فلا يخفى حال من سلف من الولاة، المتغلبين على هذه الجهات قبل أن يظهر عليها أهل الإسلام، إنهم يقاتلون عليها بغير الحق المبين، ويأخذون الأموال ظلما وعدوانا بيقين، وفي تلك المدة وقفوا الأوقاف وليس بأيديهم إلا تلك الأموال، فهل يصح والحالة هذه ما كان هذا أصله من تلك الأوقاف، وكذا أموال التجار، فإنهم يعاملون فيها بالربا في جميع القرى والأمصار، ويكون لتلك الأموال والمعاوضة بها امتداد وانتشار من غير سؤال عنها ولا استفسار، ومثل هذا ما يأخذه الأعراب المعتدون من أموال الغير وبها يمتارون، فما قال هذا المجترئ على شيء من ذلك أنه حرام أو أن فيه إشكالا في حال من الأحوال، وكذلك ما وقع في هذه الديار من المعاملات الربوية، ولا ريب أنه بليّة وأي بلية، وأمر خامس ظاهر في أناس من ظهور أمارات الخيانة عليهم، ونسبتها لقوة القرين إليهم، وكل ذلك لا عتب فيه ولا بأس، وأما الثلب والسب منه والعتاب فإنما يتوجه إلى خصوص أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإن لم يكن لهم مدخل في الأموال، ولا عمل لهم فيها بحال.

أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو مُلِحّ بباطل

والعارف لا يخفى عليه موجب هذه العداوة، فإن قيل ما قولكم في حكم ما ذكرتموه من هذه الأموال، أمن الحرام هي أم من الحلال، قلنا: القول فيها يتوقف على البحث عن كل فرد منها والاستفصال، ولكن من حيث عدم العلم بأعيانها عن طريق الإجمال، فالمأثور عن السلف والأئمة في جوايز السلطان، وما كان على هذا المنوال أنه من قسم الحلال إلا ما علم أنه بعينه حرام وما لا فلا يمنع من أخذه ممن أعطاه إياه، إذا كان الآخذ يستحقه.

قال الإمام أحمد رحمه الله: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم حق، وكيف أقول إنها سحت الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكثير من الصحابة يقبلون جوائز معاوية؟ قال: ولأن جوايز السلطان لها وجه في الإباحة والتحليل، فإن لها جهات كثيرة من الفيء والصدقة وغيرها. انتهى من المغني.

وقال ابن رجب: ورُوي في ذلك آثار كثيرة عن السلف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله. وقال ابن مسعود: "الهناء لكم، والوزر عليهم".

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعينص ١٢٢