فصل
وهذا شروع في الجواب المشار إليه سابقاً وقد كنت عزمت على أن أتتبع كلامه وأجيب عنه تفصيلا، ثم إنه عرض لى ما يجب أن يكون هو المقصود بالذات مما قدمته حماية لجانب التوحيد والشريعة، ثم بدا لي أن أقتصر في جواب الرجل لما في الاقتصار من رعاية الصبر والاصطبار، لأنّا لو أجبناه بكل ما يليق في الجواب لم نسلم من أمثاله ممن نسج على منواله، كما هو الواقع من أكثر البشر قديما وحديثا مع كل من قام بالحق ونطق بالصدق.
فكل من كان أقوم في دين الله كان أذى الناس إليه أسرع، والعداوة له أشد وأفظع، وأفضل خلق الله رسله وقد عالجوا من الناس أشد الأذى حكمة بالغة. قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً).
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ينبيك عن تفصيل هذا ما ذكره الله في كتابه عن أنبيائه لما دعوا أممهم إلى التوحيد كيف قيل لهم وما خوطبوا به، وتأمل ما جرى لخيار هذه الأمة كالخلفاء الراشدين وسادات أصحاب سيد المرسلين من أعدائهم كالروافض والخوارج ونحوهم، وما جرى لأعيان التابعين ومن بعدهم من أعيان الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وأمثال هؤلاء ممن لا يمكن حصرهم، ولو ذكرنا جنس ما جرى لهؤلاء من الأذى لطال الجواب، والقصد الاقتصار، ومن أراد الوقوف على ذلك فعليه بالسِّيَر والتاريخ، ولله در أبي تمام حيث يقول شعرا:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
وقال أبو الطيب شعرا:
وثبات صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إذا علمت ذلك فإن هذا الرجل ذكر عن الشيخ عبد الرحمن بن حسين أنه لا يصلي بهم، ولا يقدم من يهدونه، ولا يقطع خصومه، وعدوه من نظر في كتاب، أو نطق بصواب.
هذا كلامه في عد هذه الأمور من المثالب، والبصير إذا تأمل رآها من المناقب لأن المسلم لا يجوز أن يحمل إلا على الخير فيما خفي عذره فيه حتى يتبين ما يدفع الاحتمال. وهذه العيوب الخمسة محتملة لأمور:
الأول: منها يحتمل أنه فعله تأثما من الصلاة بالناس لعذر خفي عليهم أوجب ذلك.
وأما الثاني: فيحتمل أنه إنما فعله نصحا لهم وطلبا للسلامة من تبعة ذلك، ولا يخفى أن نظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم، فإن جهال العامة لا يهتدون غالبا إلى ما يصلح دينهم.
وأما الثالث: ففيه التثبت في الفتيا، فإن الإفتاء في دين الله بلا علم حرام، فلا بد للمفتي والقاضي من التأمل والمراجعة، وإلا أصيب مقاتله، والعامة لا يعجبهم ذلك، والعالم عندهم من يبادرهم بالحكم والإفتاء من غير تأن ولا مراجعة، وهذا من فرط جهلهم وعدم علمهم كما يتبين من حال هذا المعترض.
الرابع والخامس: ففيه حماية جانب العلم وصيانته عن مثل هؤلاء الجهال الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون، فإن صيانة العلم عن تخبيط الجاهلين أمر لا بد منه.
فانظر كيف وقع من أمثالهم ممن تتبع الرخص، أعاذنا الله من ذلك، وما أحسن ما قال بعض العلماء رحمه الله:
العلم قال الله قال رسوله ... / ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... / ... بين الرسول ورأي كل فقيه
وهذا الضرب من الناس أفسدوا بدعواهم العلم على كثير من العامة دينهم، لما قلدوهم لهواهم وأحسنوا بهم الظن وفاقا لدنياهم، فتأمل تجد ما ذكرته واقعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.