فلفرط عداوة هذا الرجل عد هذه الأمور الخمسة من المثالب، وهي كما ترى صالحة لأن تعد من المناقب. كما قيل إذا كان من فيهم قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب. ثم إنه أخذ يحذر الإمام من أولاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وأنه لا يجوز له أن يصغي إليهم ولا يأخذ منهم ولا يلين لهم جانبه إلى غير ذلك، ويحلف جهد يمينه أن الحامل له على ذلك هذا القول محض النصيحة بلا عدل.
فأقول: يكفيك دليلاً على كذب هذا وغشه وسخافة عقله وقلة دينه وكثرة جهله، ما عبر به في هذا القيل، أما كان يعرف ما عليه المسلمون وما كانوا ينصحون به الإمام، فإن كل من يُعرف بإسلام حسن يوصيه بضد هذا، ولا ريب عندهم أن هذا كلام لا يقوله إلا رجل سوء، فسل من شئت من غير أهل الفساد وكل إناء بالذي فيه ينضح، وفيما قص الله عن أنبيائه تسلية لعبده المسلم إذا كان له أعداء، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً).
فيؤخذ من هذا أن من قال الحق ودعا إليه فلا بد أن يتصدى له من يوقع الأذى عليه، وما ذاك إلا لصعوبة الحق على النفوس ومخالفته الأهواء، وإيثار الشهوات على التقوى، نسأل الله الثبات على الإيمان والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
ولقد أحسن من قال في مثل هذه الحال شعرا:
يُقْضَى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وقائل هذا إنما أخذه من كتاب الله تعالى وهو مذكور في عدة آيات من الكتاب ترشد إلى أن من لم يرد الله به خيرا يرى أن نفس الخطأ هو عين الصواب. ثم إن هذا المعترض زعم أن ابن ثنيان يطعمهم الحرام. فالجواب أن يقال: وهذا من جهله، وقلة دينه وعقله، لأن هذا الكلام شاهد على قائله أنه لا يعرف شيئاً من الأحكام، ولا يتصور الواقع وذلك لا يخلو إما أن يكون صدر عن سوء طوية وفساد رويّة، أسوة أمثاله ممن لم يستضيء بنور التوحيد، الذي هدى الله إليه الكثير من أهل نجد وغيرهم أحرارهم والعبيد، أو أنه مُغْفِل عن هذا الشأن لحال أهل المهن وأرباب الدنيا في كل زمان.
فلو سألت أحدهم عن الدين الذي بعث الله به المرسلين، لما أحسن التعبير عنه ولا عرف حقيقة الإسلام بيقين، ولا ريب أن هذا قصارى حال المشار إليه لدلالة كتابه عليه. فإن هذا كلام من لا يدري ما يقول، من غير تصور ولا معقول، فلا بد والحالة هذه من بيان يكشف ما قد يلتبس على بعض الجهال من ذلك الهذيان.
فأقول: من المعلوم عند الموافق والمخالف أن أئمة المسلمين الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعد ما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد حتى أدخل الله بدعوتهم كل حاضر من قومهم وباد، فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو بحمد الله من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال.