تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْأَعْمَالِ. وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ (الْبَرِّ) بِالْفَتْحِ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْبَحْرِ بِتَصَوُّرِ سِعَتِهِ، وَإِلَّا قُلْنَا: إِنَّ الْبِرَّ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالْأَعْمَالِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُعَدُّ خَصْلَةً أَوْ شُعْبَةً مِنَ الْبِرِّ.

أَمَّا الْأَمْرُ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْهِدَايَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَى النَّاسِ إِيجَابًا دِينِيًّا أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي تَنْفَعُ النَّاسَ أَفْرَادًا وَأَقْوَامًا فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَكُلُّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ التَّقْوَى الَّتِي يَدْفَعُونَ بِهَا الْمَفَاسِدَ وَالْمَضَارَّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ التَّحْلِيَةِ وَالتَّخْلِيَةِ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ التَّحْلِيَةَ بِالْبِرِّ، وَأَكَّدَ هَذَا الْأَمْرَ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ ; وَهُوَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْإِثْمِ بِالْمَعَاصِي وَكُلِّ مَا يَعُوقُ عَنِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ، وَعَلَى الْعُدْوَانِ الَّذِي يُغْرِي النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، وَيَجْعَلُهُمْ أَعْدَاءً مُتَبَاغِضِينَ يَتَرَبَّصُ بَعْضُهُمُ الدَّوَائِرَ بِبَعْضٍ.

كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ جَمَاعَةً وَاحِدَةً ; يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى عَنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ بِعَهْدٍ وَنِظَامٍ بَشَرِيٍّ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْجَمْعِيَّاتِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ كَانَ مُغْنِيًا لَهُمْ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُمْ بِقَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (3: 110) وَلَمَّا انْتَثَرَ بِأَيْدِي الْخَلَفِ ذَلِكَ الْعَقْدَ وَنُكِثَ ذَلِكَ الْعَهْدُ، صِرْنَا مُحْتَاجِينَ إِلَى تَأْلِيفِ جَمْعِيَّاتٍ خَاصَّةٍ بِنِظَامٍ خَاصٍّ لِأَجْلِ جَمْعِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَمْلِهِمْ عَلَى إِقَامَةِ هَذَا الْوَاجِبِ: التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي أَيِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، وَقَلَّمَا تَرَى أَحَدًا فِي هَذَا الْعَصْرِ يُعِينُكَ عَلَى عَمَلٍ مِنَ الْبِرِّ، مَا لَمْ يَكُنْ مُرْتَبِطًا مَعَكَ فِي جَمْعِيَّةٍ

علو الهمة ينادي شباب الأمة · الصفحة ٧٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علو الهمة ينادي شباب الأمةص ٧٠٧