تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي مَا كَانَ مَعْبُودًا لَمَّا حَصَلَتْ آثَارُ تَصَرُّفَاتِهِ فِيهِ صَارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ، وَفَسَادُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ مَا مَعَ مَا بَعْدَهُ فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ فَقَوْلُهُ: (وَمَا تَعْمَلُونَ) مَعْنَاهُ وَعَمَلَكُمْ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ صَارَ مَعْنَى الْآيَةِ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ عَمَلَكُمْ، فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) أَضَافَ الْعِبَادَةَ وَالنَّحْتَ إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ لَاسْتَحَالَ كَوْنُهُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقٌ لِتِلْكَ الْأَصْنَامِ، وَالْخَالِقُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ الْمَخْلُوقِ، فَلَمَّا تَرَكُوا عِبَادَتَهُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ لَا جَرَمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبَّخَهُمْ عَلَى هَذَا الْخَطَأِ الْعَظِيمِ فَقَالَ: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فَاعِلِينَ لِأَفْعَالِهِمْ لَمَا جَازَ تَوْبِيخُهُمْ عَلَيْهَا، سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا حُجَّةٌ لَكُمْ، قَوْلُهُ: لَفْظَةُ " مَا " مَعَ مَا بَعْدَهَا فِي تَقْدِيرِ الْمَصْدَرِ، قُلْنَا: هَذَا مَمْنُوعٌ وَبَيَانُهُ أَنَّ سِيبَوَيْهِ

علو الهمة ينادي شباب الأمة · الصفحة ١٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علو الهمة ينادي شباب الأمةص ١٥٣