لِمَا عَدَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَالْكَلَامُ فِي الْإِحْسَانِ، وَالْمُقَصِّرُونَ فِيهِ إِنَّمَا يُقَصِّرُونَ بِعِلَّةِ الْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ، اللَّذَيْنِ هُمَا مَظْهَرُ التَّرَفُّعِ وَالْكِبْرِ، فَهُوَ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مُلَوَّثَ النَّفْسِ بِتِلْكَ الرَّذِيلَةِ لَا يَكُونُ مُحْسِنًا؛ لِأَنَّ الْكِبْرَ يَسْتَلْزِمُ جُحُودَ الْحَقِّ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ظَهَرَتْ آثَارُهُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَجُحُودُ الْحَقِّ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُ، وَمَنْعُهُ هُوَ الْبُخْلُ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُلَوَّثِينَ بِذَلِكَ الْخَلْقِ الَّذِي يُبْغِضُ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَلَا يُحِبُّهُ ـ وَهُوَ الْكِبْرُ الْبَيِّنُ أَثَرُهُ ـ يَبْخَلُونَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَإِمَّا بِلِسَانِ الْحَالِ بِأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً فِي ذَلِكَ وَيَكْتُمُونَ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِإِنْكَارِهَا وَعَدَمِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا بِالْإِنْفَاقِ مِنْهَا وَلِذَلِكَ تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا، أَيْ: وَهَيَّأْنَا لَهُمْ بِكِبْرِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَبُخْلِهِمْ وَعَدَمِ شُكْرِهِمْ، عَذَابًا ذَا إِهَانَةٍ يُجْمَعُ لَهُمْ فِيهِ بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْمَهَانَةِ وَالذِّلَّةِ جَزَاءَ كِبْرِهِمْ، وَقَالَ: لِلْكَافِرِينَ وَلَمْ يَقُلْ: (لَهُمْ) لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ وَالْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْكَفُورِ، لَا مِنَ الْمُؤْمِنِ الشَّكُورِ.
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ قَالَ الْأُسْتَاذُ: الرِّئَاءُ يُخَفَّفُ فَيُقَالُ: الرِّيَاءُ مَصْدَرُ رَاءَى كَالْمُرَاءَاةِ وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَأُعِيدَ الْمَوْصُولُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُغَايَرَةِ فِي الْأَصْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً (3: 135)، مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، أَيْ أَنَّ مَانِعِي الْإِحْسَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ صِنْفَانِ: صِنْفٌ يَبْخَلُونَ وَيَكْتُمُونَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَصِنْفٌ يَبْذُلُونَ الْمَالَ لَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَاعْتِرَافًا لِعِبَادِهِ بِحُقُوقِهِمْ، بَلْ يُنْفِقُونَهُ رِئَاءَ النَّاسِ، أَيْ: مُرَائِينَ لَهُمْ يَقْصِدُونَ أَنْ يَرَوْهُمْ فَيُعَظِّمُوا قَدْرَهُمْ وَيَحْمَدُوا فِعْلَهُمْ، فَالْمُرَائِي لَا يَقْصِدُ بِإِنْفَاقِهِ إِلَّا الْفَخْرَ عَلَى النَّاسِ بِكِبْرِيَائِهِ، وَإِشْرَاعَ الطَّرِيقِ لِخُيَلَائِهِ، فَإِنْفَاقُهُ أَثَرُ تِلْكَ الْمَلَكَةِ الرَّدِيئَةِ، وَالْكِبْرِيَاءُ كَمَا تَكُونُ مِنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِ الشَّخْصِ تَكُونُ أَيْضًا بِمَا يَكُونُ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْعِرْضِ،