تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3. النبي صلى الله عليه وسلم والاستكتاب: ومن الآيات التي تدل وبوضوح على أن القرآن الكريم في مكة كان يكتب في الصحف، وأن المشركين كانوا على علم بتلك الصحف قوله تعالى على لسان المشركين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِيْن اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيْلاً﴾ (1).

يقول الفيروزآبادي: >ويقال: اكتتب فلان فلاناً: إذا سأله أن يكتب له كتاباً في حاجة، وعليه فسر بعضهم: ﴿أَسَاطِيرُ الأوَّلِيْن اكْتَتَبَهَا﴾ أي استكتبها< (2). وقيل: اكتتبها: أي بمعنى جمعها وسجلها (3). أو بمعنى انتسخها من غيره (4).

قال الزمخشري: >والمعنى: اكتتبها كاتب له، لأنه كان أمياً لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه ... فإن قلت: كيف قيل: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْه﴾، وإنما يقال أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه، أو كتبت له وهو أمي فهي تملى عليه: أي تُلقى عليه من كتابه يتحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب< (5).

يقول أبو السعود العمادي: >والأساطير جمع أساطر أو أسطورة كأحدوثة، وهي ما سطره المتقدمون من الخرافات، اكتتبها، أي: كتبها لنفسه على الإسناد المجازي أو استكتبها، وقرئ على البناء للمفعول، لأنه صلى اللّه عليه وسلم أمي. وأصله: اكتتبها له كاتب فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض العلمي بخصوصه، وبُنِيَ الفعل للضمير المنفصل فاستتر فيه، فهي تملى عليه، أي تلقى عليه تلك الأساطير بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة أو تملى على الكاتب على أن معنى اكتتبها أراد اكتتابها أو استكتابها ورجع الضمير المجرور إليه صلى الله عليه وسلم لإسناده الكتابة في ضمن الاكتتاب إليه صلى الله عليه وسلم < (6).

والاتهام جاء من قبل المشركين بهذه الصيغة الصريحة من أن هناك ما هو مكتوب يتداوله محمد صلى الله عليه وسلم وقد كتب له بناءً على طلبه، فلا بد أن يكون هناك شيء مكتوب حتى يأتي الاتهام بهذا الشكل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يكتفي بقراءة القرآن وتلاوته على الناس في مكة فقط من غير أن يكون هناك شيء مكتوب لما جاء بهذه الصيغة، فالاتهام إنما هو مستند إلى مشاهدة.

وربما تتضح الصورة أكثر إذا ما عرفنا سبب النزول كما نقلته كتب التفسير والسيرة النبوية. فقد ذهب المفسرون والمؤرخون إلى أن هذه الآية نزلت في بعض مَنْ كان يقول ذلك، مثل: النضر بن الحارث (1)، الذي >كان إذا جلس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مجلساً فدعا فيه إلى اللّه، وتلا فيه القرآن، وحذر فيه قريشاً ما أصاب الأمم الخالية ـ خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السنديد، وعن اسفنديار، وملوك فارس، ثم يقول: واللّه ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين، اكتتبها كما اكتتبتها<. فأنزل اللّه فيه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (2).

4. طَلَبُ المشركين مكتوباً من السماء: من خلال الآيات القرآنية المكية يتبين أن معرفة أهل مكة بالكتابة والقراءة كانت عميقةً بدليل أنهم طالبوا الرسول صلى الله عليه وسلم بآيات ومعجزات تقنعهم بنبوته، ومن هذه الآيات والمعجزات، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء يقرؤونه. قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً. أوْ تَكُوْنَ لَكَ

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكي · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكيص ٤٧