تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو عبارة عن حفظ النص عن ظهر قلب، وهو من خصائص هذه الأمة، وظاهرة مستمرة إلى يوم القيامة، وفيها تحقيق لوعد اللّه عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإَنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (2).

وسَيد مَنْ حفظ القرآن الكريم الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم فقد كان مولعاً بالحفظ والتلاوة لما يسمع من جبريل وما يوحي إليه حتى طمأنه الباري بقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى﴾ (3). وقد حفظ القرآن من الصحابة عدد كثير، ويظهر ذلك جلياً مما تواتر نقله أنه قد استشهد أكثر من سبعين منهم في بئر معونة فقط، وكذا في معركة اليمامة. والحديث عن الجمع الحفظي قد أُشبع بحثاً، فعليه لا يحتاج إلى تكرار ما قد قاله الآخرون في هذا المجال.

الجمع الكتابي

الكتابة في اللغة: مصدر كتب، يقال: كَتب يكتُب كَتْبا وكتاباً وكِتابةً ومَكتَبة وكِتْبة فهو كاتب ومعناها الجمع، يقال: تكتَّبت القوم إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل كَتِيبة، ومن ثَمَّ الخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض كما سمِّي خَرْز القربة كتابةً لضم بعض الخُرَز إلى بعض (1).

وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كُتَّاباً للقرآن الكريم كان يأمرهم بكتابة ما ينزل من القرآن الكريم حال نزوله لا يتأخرون عنه، وليس في ثبوت هذه الحقيقة من اتخاذه كتاباً يكتبون القرآن أدنى شك ولا خلاف، والروايات التي سبقت في إثباتها بلغت مبلغ التواتر المفيد للقطع. قال الزركشي: >كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما أنزل عليه شيء من القرآن أمر بكتابته ويقول في مفترقات الآيات: ضعوا هذه في موضع كذا< (2) وقد كان من بين الكُتّاب الذين يستكتبهم النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، الخلفاء الأربعة، وعامر بن فهيرة وخالد بن سعيد وعبد اللّه بن أبي سرح وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وخالد بن الوليد ومعاوية وثابت بن قيس (3) ... إلخ.

وكان أكثرهم من المكيين (4). ولا شك أن أغلبهم كان من السابقين إلى الإسلام. وغالب الظن أن هذا الإحصاء لم يشمل كل من انتدب لكتابة الوحي فيكون العدد أكثر من ذلك. وعلى أية حال فإن هذا العدد نفسه يدل على أن كتابة القرآن الكريم باستكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن أمراً عارضاً، وإنما هي عمل أساسي من أعمال الدعوة قد خصصت له مؤسسة تقوم عليه هي مؤسسة كتاب الوحي (1).

وإذا رجعنا إلى الكتب التي تتحدث عن كتابة القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنهم يطلقون القول أو العبارة (كتابة الوحي في العهد النبوي) ولا يقسمون ذلك إلى العهد المكي والعهد المدني سواء كُتُب المتقدمين أم المتأخرين، مما يدل على أن كتابة القرآن كانت قد غطت مراحل النزول كلها مكيها ومدنيها، خلافاً لما انتهى إليه بلاشير ودائرة المعارف الإسلامية وبعض الباحثين المسلمين، من أن المرحلة المكية لم يكن القرآن يكتب فيها، وإنما بدأت كتابته في السنوات الأولى من العهد المدني. ولإثبات ما ذكر سابقاً من أن القرآن كان يكتب في جميع مراحل النزول وبالتحديد في العهد المكي، سيقوم الباحث بذكر أدلة من القرآن المكي نفسه تضمنت ألفاظ ملهمة ومثبتة للكتابة، ومن الحديث ومن السيرة النبوية.

المبحث الثاني: الأدلة من القرآن المكي

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكي · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكيص ٤٤