تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثالث: حالة الكتابة في الجزيرة العربية

...............................................................................................................................

المبحث الأول: مفهوم الأميين في القرآن الكريم

المبحث الثاني: حالة الكتابة في مكة والمدينة

المبحث الثالث: مجالات استخدام الكتابة عند العرب

...............................................................................................................................

المبحث الأول: مفهوم الأميين في القرآن الكريم

الذي يطالع المصادر العربية القديمة التي تشير في طياتها إلى مكانة الكتابة عند العرب في العصر الجاهلي وفي صدر الإسلام، يجد أنها تتفق إلى حد كبير في وصف العرب قبل الإسلام بالأمة الأمية الجاهلة التي لا حظ لها من علم أو معرفة أو كتابة، بل يغالي بعض الإخباريين القدماء في لصق هذه الصفة ـ الجهل بالكتابة والقراءة ـ بالعرب إلى حد غير معقول، ناهيك عن البحث العلمي القائم على استقراء واقع العرب قبل الإسلام وصدره. وهذه المصادر تناقض نفسها في مواضع كثيرة، حيث يذكر أحدهم في موضع ما أن الجهل كان مطبقاً على العرب بل والمسلمين في العهد النبوي، وإنه لم يكن منهم مَنْ يعرف الكتابة والقراءة إلا الواحد أو الاثنان، ثم يذكر في مواضع أخرى أسماء لعدد كبير من الذين كانوا يحسنون الكتابة والقراءة وهكذا. وعلى رأس هؤلاء الإمام ابن قتيبة الدِّينَوَري ـ رحمه اللّه ـ حيث يقول في معرض كلامه عن سماح الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو بكتابة الحديث: >خص بهذا عبد اللّه بن عمرو، لأنه كان قارئاً للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد أو الاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي ... < (1).

ومعلوم أن هذا الكلام لم يكن مبنيّاً على الجرد والاستقراء. وقد درج على هذا المنهج أغلب الذين تحدثوا عن مكانة الكتابة عند العرب، وربما نتج ذلك عن إشارات وردت في نصوص قرآنية وحديثية، مثل لفظة: (الأميين، والأمي) في القرآن الكريم، ولفظة (أُمِّيَّة) في الحديث النبوي الذي سيأتي. ومعلوم أن القرآن الكريم قد وصف العرب بهذا الوصف في ثلاثة مواضع. وهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ (2). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وِإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (2).

ولكن كما هو واضح من سياق الآيات السابقة، فإن هذا الوصف لا يعني الجهل بالكتابة والقراءة، حيث إن الآيات الثلاث نزلت في المدينة ذات المناخ المعروف المكون من اليهود وهم أهل كتاب، ومن عرب لم يكن لهم كتب دينية منزلة، وعليه فإن الأمية هنا الأمية الدينية، أي الأمة التي تملك كتاباً سماويّاً كاليهود والنصارى لا الأمية بمعنى الجهل بالكتابة والقراءة، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض المفسرين القدامى، منهم الإمام ابن جرير الطبري فقد أشار إلى ذلك في تفسيره

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكي · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_القرآن_الكريم_في_العهد_المكيص ٢٠